مفاوضات إيران وأميركا.. ترمب يوازن بين التصعيد العسكري ومكاسب الاتفاق النووي
تتأرجح سياسة واشنطن تجاه طهران بين التلويح بالتصعيد العسكري ومحاولة انتزاع تنازلات عبر المفاوضات والضغوط الاقتصادية، في وقت لا تزال فيه فرص التوصل إلى اتفاق مرهونة بالخلافات حول البرنامج النووي الإيراني ومستقبل مضيق هرمز.
ويتمسك الرئيس الأميركي دونالد ترمب بضرورة تقديم إيران تنازلات ملموسة في الملف النووي، رافضًا حصر المفاوضات في إعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء القيود المفروضة على الملاحة، بينما تسعى طهران إلى ربط أي انفراجة بتخفيف الضغوط الاقتصادية والعسكرية المفروضة عليها.
وتأتي هذه التطورات وسط مؤشرات متباينة بشأن المسار المقبل؛ فبينما تلوح الخيارات العسكرية في الخلفية، تتواصل التحركات الدبلوماسية عبر وسطاء إقليميين، في محاولة لتقليص فجوة الخلافات وتجنب تصعيد جديد قد يمتد تأثيره إلى أسواق الطاقة والتجارة العالمية.
ترمب يستبعد الهجوم قبل انتخابات نوفمبر.. والمفاوضات مستمرة
في تطور لافت، أعلن ترمب في 8 أكتوبر أن الولايات المتحدة لن تشن هجومًا على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في 3 نوفمبر 2026، مشيرًا إلى أن المحادثات الجارية مع طهران تتسم بالإيجابية.
لكن التصريح لا يعني التوصل إلى اتفاق نهائي أو إنهاء المواجهة؛ إذ لا تزال واشنطن وطهران تتبادلان المقترحات عبر قنوات دبلوماسية غير مباشرة، وسط خلافات جوهرية بشأن البرنامج النووي والعقوبات والحصار البحري.
ووفقًا لوكالتي «رويترز» و«أسوشيتد برس»، رفض ترمب المقترح الإيراني الأخير، رغم استمرار الاتصالات الدبلوماسية، فيما أفادت طهران بأنها تلقت ردًا أميركيًا مضادًا وتدرس تقديم رد رسمي خلال أيام.
البرنامج النووي الإيراني.. العقدة الرئيسية أمام الاتفاق
يمثل الملف النووي نقطة الخلاف الأساسية بين الطرفين، إذ تطالب واشنطن بخفض ملموس ومستدام لقدرات إيران على تخصيب اليورانيوم، مع معالجة المخاوف المتعلقة بمخزون المواد المخصبة وإمكانية استئناف الأنشطة النووية.
وفي تصريحات نقلتها «رويترز» في 7 أكتوبر، شدد نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس على ضرورة أن تقدم طهران خفضًا ذا مغزى في قدرات التخصيب، خصوصًا فيما يتعلق باليورانيوم عالي التخصيب.
في المقابل، تتمسك إيران بحقها في تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية، وترفض التخلي عن مخزونها النووي، وفق تصريحات نقلتها وسائل الإعلام الإيرانية. ويعني استمرار هذا التباين أن أي اتفاق محتمل يحتاج إلى صيغة تضمن معالجة المخاوف الأميركية، من دون تجاهل الشروط التي تضعها طهران.
وتزداد صعوبة التوصل إلى تسوية في ظل القيود المفروضة على وصول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى المواقع الإيرانية، وما يثيره ذلك من تساؤلات بشأن حجم المخزون النووي المتبقي وإمكانات استئناف التخصيب.
مضيق هرمز والحصار البحري.. ورقة ضغط متبادلة
لا تقتصر مفاوضات إيران وأميركا على الملف النووي، بل تمتد إلى مستقبل مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل النفط والغاز عالميًا.
وتسعى طهران إلى ربط إعادة فتح المضيق وتخفيف القيود البحرية برفع العقوبات الأميركية على صادراتها النفطية والتوصل إلى ترتيبات لوقف القتال. وفي المقابل، ترفض واشنطن أن تكون إعادة فتح الممر البحري بديلًا عن معالجة الملف النووي.
وكان المقترح الإيراني قد طرح إعادة فتح المضيق واستئناف المفاوضات خلال سبعة أيام، شريطة تلبية مطالب طهران، بما يشمل رفع الحصار البحري وتخفيف العقوبات والتوصل إلى وقف لإطلاق النار.
لكن رفض ترمب المقترح يعكس استمرار الفجوة بين الطرفين بشأن ترتيب الخطوات المطلوبة، وما إذا كان ينبغي معالجة الملف النووي بالتوازي مع التفاهمات المتعلقة بالملاحة والعقوبات.
واشنطن توازن بين الخيار العسكري والضغوط الاقتصادية
على الرغم من استبعاد ترمب شن هجوم قبل انتخابات نوفمبر، فإن الخيار العسكري لم يخرج من حسابات الإدارة الأميركية. وتستمر واشنطن في تعزيز حضورها العسكري بالمنطقة، بالتزامن مع استخدام العقوبات والحصار البحري لتقليص الموارد المالية المتاحة لطهران.
وفي هذا السياق، أفادت تقارير صحفية أميركية بأن الإدارة تدرس مواصلة الضغط الاقتصادي على إيران، بعد أن واجهت جهود سابقة لتسريع نتائج العقوبات تحديات تتعلق بقدرة طهران على مواصلة بعض صادراتها والتكيف مع القيود المفروضة عليها.
وتراهن واشنطن على أن يؤدي استمرار الضغط إلى دفع القيادة الإيرانية نحو تقديم تنازلات أكبر. لكن هذا المسار يحمل مخاطر مقابلة، إذ قد يدفع استمرار الحصار والتصعيد البحري طهران إلى تشديد موقفها أو الرد على المصالح الأميركية وحركة الملاحة في المنطقة.
وبالتالي، لا يتعلق القرار الأميركي بالمفاضلة بين الحرب والدبلوماسية فحسب، بل بتحديد مدى قدرة كل مسار على تحقيق أهداف واشنطن بأقل تكلفة سياسية واقتصادية وعسكرية ممكنة.
أسعار النفط تترقب مصير مفاوضات إيران وأميركا
تظل أسواق الطاقة من أبرز المتأثرين بمسار المفاوضات، إذ يمكن لأي تصعيد عسكري أو تعطيل جديد لحركة السفن في مضيق هرمز أن يرفع علاوة المخاطر الجيوسياسية على أسعار النفط.
وفي 8 أكتوبر، ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنحو 4.1% لتغلق عند 104.28 دولار للبرميل، فيما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنحو 3.6% إلى 91.49 دولار، وسط مخاوف من اتساع المواجهة واضطراب الإمدادات.
لكن الأسعار تراجعت عن مستوياتها المرتفعة خلال بعض التعاملات بعد تصريحات ترمب بشأن استمرار المحادثات واستبعاد الهجوم قبل الانتخابات، ما يعكس حساسية الأسواق لأي إشارات تتعلق بفرص التهدئة.
ومع ذلك، لا يضمن تراجع احتمالات الهجوم الفوري انخفاضًا مستدامًا للأسعار؛ إذ تظل المخاطر المرتبطة بالملاحة البحرية والإمدادات الإقليمية قائمة.
ما السيناريوهات المحتملة لمفاوضات إيران وأميركا؟
تتوقف المرحلة المقبلة على قدرة الطرفين على تجاوز الخلافات بشأن ترتيب الأولويات وتقديم ضمانات متبادلة. ويمكن تلخيص المسارات المحتملة في ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
- اتفاق تدريجي: التوصل إلى تفاهمات بشأن الملاحة في مضيق هرمز ووقف التصعيد، بالتوازي مع مفاوضات حول التخصيب النووي والعقوبات.
- استمرار الضغط الاقتصادي: بقاء الاتصالات الدبلوماسية مفتوحة من دون اتفاق حاسم، مع مواصلة الحصار والعقوبات وتبادل المقترحات.
- عودة التصعيد العسكري: تعثر المفاوضات وتزايد المخاطر الأمنية، بما قد يهدد حركة الملاحة ويزيد تقلبات أسعار النفط.
ولا يزال السيناريو الأول مرهونًا بتقديم تنازلات متبادلة، في حين يبقى استمرار الضغط الاقتصادي خيارًا قائمًا لدى واشنطن، وتظل احتمالات التصعيد مصدر قلق للأسواق.
الخلاصة
تدخل مفاوضات إيران وأميركا مرحلة حساسة، تتقاطع فيها الحسابات النووية والعسكرية والاقتصادية مع أمن الملاحة العالمية. ورغم إعلان ترمب عدم شن هجوم قبل انتخابات نوفمبر، فإن الخلافات بشأن تخصيب اليورانيوم ومضيق هرمز والعقوبات لا تزال تعوق التوصل إلى اتفاق شامل.
وبالنسبة إلى المستثمرين، ستظل التصريحات الرسمية وتطورات حركة السفن والإمدادات النفطية مؤشرات رئيسية لمراقبة اتجاهات السوق، مع ضرورة التمييز بين التهدئة المؤقتة والتوصل إلى تسوية فعلية.