تراجعت معنويات قطاع صناعة السيارات في ألمانيا بشكل حاد خلال سبتمبر، في إشارة جديدة إلى استمرار الضغوط التي تواجه أحد أهم القطاعات الصناعية في أكبر اقتصاد أوروبي.
وأظهرت أحدث نتائج مسح معهد “إيفو” الألماني، الصادرة اليوم الاثنين، أن مؤشر مناخ الأعمال لقطاع السيارات هبط إلى سالب 35 نقطة في سبتمبر، مقارنة مع سالب 22 نقطة في أغسطس، مسجلاً تراجعاً قدره 13 نقطة خلال شهر واحد. وأكد المعهد أن الشركات أصبحت أكثر تشاؤماً بشأن أوضاعها الحالية والمستقبلية، فيما وصفت خبيرة الصناعة لدى “إيفو”، أنيتا فولفل، القطاع بأنه “لا يزال عالقاً في الأزمة”.
تدهور حاد في تقييم الوضع الحالي
كان التراجع في معنويات شركات السيارات الألمانية مدفوعاً بصورة أساسية بانخفاض تقييمها لوضع الأعمال الحالي، بعدما أصبحت الشركات أكثر تشاؤماً بشأن نشاطها مقارنة بالشهر السابق.
كما بقيت توقعات الأعمال المستقبلية عند مستويات منخفضة للغاية، بعد الهبوط الحاد الذي سجلته في أغسطس، ما يعكس استمرار حالة عدم اليقين بشأن الطلب والأسواق الخارجية وقدرة الشركات على تحسين نتائجها خلال الفترة المقبلة.
وامتدت الضغوط إلى عدد من المؤشرات الرئيسية للقطاع، إذ خفضت الشركات تقييماتها للطلبات المتراكمة والأرباح، بينما تراجعت توقعات التوظيف مجدداً خلال سبتمبر.
صادرات السيارات الألمانية تواجه ضغوطاً متزايدة
شكلت توقعات الصادرات أحد أبرز مصادر القلق خلال سبتمبر، بعدما تراجعت بشدة عقب التحسن الذي سجلته في أغسطس.
وكانت توقعات شركات السيارات الألمانية للصادرات قد تحولت إلى النطاق الإيجابي في أغسطس، لكنها عادت في سبتمبر إلى توقع انخفاض الصادرات، ما ساهم بصورة مباشرة في تدهور معنويات القطاع. وقال معهد “إيفو” إن قطاع السيارات كان العامل الرئيسي وراء تراجع توقعات الصادرات في الاقتصاد الألماني ككل خلال سبتمبر.
وتراجعت توقعات الصادرات الألمانية لجميع القطاعات الصناعية بشكل محدود إلى 8 نقاط في سبتمبر من 9.8 نقطة في أغسطس، إلا أن التراجع كان أكثر وضوحاً داخل صناعة السيارات.
أرقام الإنتاج تكشف استمرار ضعف القطاع
وتأتي هذه المعنويات السلبية رغم تحسن بعض مؤشرات سوق السيارات الألماني خلال سبتمبر.
وبحسب بيانات رابطة صناعة السيارات الألمانية “VDA”، بلغ إنتاج السيارات في ألمانيا خلال سبتمبر نحو 392.2 ألف سيارة، دون تغيير يذكر مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي. لكن الإنتاج خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026 بلغ نحو 3.03 مليون سيارة، بانخفاض 4% على أساس سنوي، كما ظل أقل بنحو 15% من مستويات ما قبل الأزمة في 2019.
كما بلغ إجمالي صادرات السيارات خلال سبتمبر نحو 288.8 ألف سيارة، بزيادة 1% على أساس سنوي، إلا أن الصادرات منذ بداية العام ظلت منخفضة بنحو 4% مقارنة بالفترة نفسها من 2025.
وفي المقابل، تراجعت الطلبات القادمة من الأسواق الخارجية لدى الشركات الألمانية خلال سبتمبر بنحو 16% على أساس سنوي، بينما انخفض إجمالي الطلبات المحلية والخارجية بنحو 13%، وهو ما يوضح حجم الضغوط التي تواجهها الشركات في الأسواق العالمية.
السيارات الكهربائية تمنح القطاع نقطة مضيئة
ورغم الصورة السلبية بشكل عام، أظهرت بيانات سبتمبر تحسناً قوياً في سوق السيارات الكهربائية داخل ألمانيا.
وقفزت تسجيلات السيارات الكهربائية، التي تشمل السيارات العاملة بالبطاريات والهجينة القابلة للشحن وخلايا الوقود، بنسبة 59% خلال سبتمبر إلى نحو 116.3 ألف سيارة، لتصل حصتها إلى 45.3% من إجمالي التسجيلات الجديدة.
وكان الأداء الأقوى من نصيب السيارات الكهربائية بالكامل، التي ارتفعت تسجيلاتها بنحو 95% إلى 88.6 ألف سيارة، بينما زادت تسجيلات السيارات الكهربائية بالكامل خلال الأشهر التسعة الأولى من العام بنسبة 58% إلى أكثر من 604 آلاف سيارة.
كما ارتفعت الطلبات المحلية على السيارات الكهربائية بالكامل لدى الشركات الألمانية بنسبة 79% خلال سبتمبر مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، وبنسبة 66% منذ بداية العام، ما يشير إلى أن التحول نحو السيارات الكهربائية لا يزال يوفر فرصة نمو مهمة للقطاع، رغم ضعف الإنتاج والطلب الخارجي.
المنافسة الصينية والرسوم التجارية تزيد الضغوط
ويواجه قطاع السيارات الألماني في الوقت نفسه تحديات هيكلية تتجاوز ضعف الطلب، من بينها تصاعد المنافسة من شركات السيارات الصينية، والتحول السريع نحو السيارات الكهربائية، وارتفاع تكاليف الإنتاج والطاقة، إلى جانب التوترات التجارية والرسوم الجمركية.
وحذرت رابطة صناعة السيارات الألمانية في وقت سابق من أن الرسوم الأميركية الحالية البالغة 15% على السيارات وقطع الغيار الأوروبية تمثل تحدياً كبيراً للشركات الألمانية، في حين تستمر الضغوط على سلاسل الإمداد وتكاليف الإنتاج.
كما حذرت الرابطة من استمرار أزمة القدرة التنافسية لموقع الإنتاج الألماني، مشيرة إلى ارتفاع تكاليف الطاقة والضرائب والاشتراكات الاجتماعية والأعباء البيروقراطية، إلى جانب الحاجة إلى مرونة أكبر في سوق العمل.
وتزداد الضغوط مع اشتداد المنافسة في السوق الصينية، التي تمثل سوقاً رئيسية لشركات ألمانية مثل “فولكسفاغن” و”BMW” و”مرسيدس”. وكانت “فولكسفاغن” قد خفضت توقعاتها للأرباح في سبتمبر، متضررة من ضعف الطلب في الصين والرسوم الأميركية والمنافسة المتزايدة من الشركات الآسيوية، بالتزامن مع خطة إعادة هيكلة واسعة تشمل خفض عشرات الآلاف من الوظائف.
صناعة السيارات الألمانية أمام اختبار صعب
وتكشف بيانات سبتمبر عن مفارقة واضحة داخل القطاع الألماني؛ ففي الوقت الذي تحسن فيه سوق السيارات المحلي وارتفعت مبيعات السيارات الكهربائية، لا تزال شركات صناعة السيارات تواجه ضعفاً في الإنتاج والطلبات الخارجية وتراجعاً في الأرباح والتوظيف.
ويأتي ذلك في وقت تحسن فيه مؤشر مناخ الأعمال الألماني العام إلى 89.9 نقطة في سبتمبر من 88.8 نقطة في أغسطس، ما يعني أن أزمة السيارات أصبحت أكثر وضوحاً مقارنة بالتعافي النسبي الذي بدأ يظهر في قطاعات أخرى من الاقتصاد الألماني.
وبحسب معهد “إيفو”، فإن استمرار تراجع الطلبات المتراكمة والأرباح وتوقعات التوظيف والصادرات يشير إلى أن صناعة السيارات الألمانية لا تزال تواجه مرحلة صعبة، رغم بعض الإشارات الإيجابية القادمة من سوق السيارات الكهربائية المحلية.