رغم قدرة الاقتصاد العالمي على امتصاص سلسلة من الصدمات خلال 2026، يحذر صندوق النقد الدولي من أن المشهد الاقتصادي لا يزال هشًا، مع استمرار ضغوط التضخم، وارتفاع تكلفة خدمة الديون، وتزايد المخاطر المالية المرتبطة بموجة الاستثمار الضخمة في الذكاء الاصطناعي.
وقالت كريستالينا غورغييفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، خلال حوار في النسخة الخاصة من منتدى قطر الاقتصادي المنعقدة في نيويورك، إن التضخم لا يزال “مستعصيًا”، ولا يتوقع الصندوق حلًا سريعًا لهذه المشكلة، ما قد يبقي عددًا من البنوك المركزية أمام الحاجة إلى تشديد سياستها النقدية.
وأضافت غورغييفا أن الجهود الرامية إلى إعادة التضخم إلى مستويات مستقرة انعكست أيضًا على تكاليف الاقتراض وخدمة الديون، في وقت لا تزال فيه إجراءات ضبط المالية العامة أقل من المستوى المطلوب، رغم اتساع إدراك الحكومات لحجم المشكلة.
نمو عالمي قرب 3% رغم تعدد الصدمات
وتأتي تحذيرات صندوق النقد في وقت لا يزال فيه الاقتصاد العالمي يظهر قدرًا من الصمود يفوق التوقعات السابقة. وكان الصندوق قد ثبت في تحديث يوليو توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي عند 3% خلال 2026، مع تسارع متوقع إلى 3.4% في 2027.
ويرى الصندوق أن طفرة الاستثمار المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ساعدت في دعم النشاط الاقتصادي، خصوصًا في الولايات المتحدة والاقتصادات المرتبطة بسلاسل إمداد التكنولوجيا، وهو ما ساهم في تعويض جانب من آثار صدمات الطاقة والحرب.
لكن هذه الصورة الإجمالية تخفي تفاوتًا كبيرًا بين الاقتصادات؛ إذ تستفيد الدول المرتبطة بدورة التكنولوجيا من قوة الطلب على الذكاء الاصطناعي، بينما تواجه اقتصادات أخرى ضغوطًا أكبر من ارتفاع تكاليف الطاقة وضعف قدرتها على الاستفادة من موجة الاستثمار التكنولوجي.
الديون العامة تضيف ضغطًا جديدًا على الاقتصاد
يمثل ارتفاع الدين العام أحد أبرز مصادر القلق لدى صندوق النقد، بعدما وصلت الديون العامة عالميًا إلى مستويات تقارب 100% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق أحدث تصريحات الصندوق، مع توقع استمرار صعودها.
وكانت غورغييفا قد دعت الحكومات إلى استغلال فترة النمو النسبي لإجراء تصحيح مالي تدريجي بدل انتظار أزمة ديون تجبرها على التحرك، خصوصًا مع ارتفاع أسعار الفائدة وتزايد تكلفة خدمة الدين.
وتشير تقديرات حديثة نقلتها بلومبرغ إلى أن الدين العام العالمي قد يتجاوز 100% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2029، مدفوعًا بصورة رئيسية بارتفاع مستويات الدين في أكبر الاقتصادات، وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين.
طفرة الذكاء الاصطناعي تحمل مكاسب ومخاطر مالية
ولا ينظر صندوق النقد إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره مصدر خطر فقط؛ فالاستثمارات المرتبطة به أصبحت أحد محركات النمو العالمي، كما يمكن أن تؤدي مكاسب الإنتاجية الناتجة عن التكنولوجيا إلى رفع النمو المحتمل على المدى الطويل.
لكن غورغييفا حذرت من الجانب الآخر للطفرة، ولا سيما الرافعة المالية والتمويل الدائري داخل قطاع الذكاء الاصطناعي. وفي حال جاءت نتائج الشركات أو مكاسب الإنتاجية أقل من التوقعات المرتفعة التي تدعم موجة الاستثمار الحالية، فقد يؤدي ذلك إلى إعادة تقييم حادة للأصول المرتبطة بالتكنولوجيا وانتقال الضغوط إلى النظام المالي الأوسع.
وتتركز المخاطر التمويلية المرتبطة بهذه الطفرة بصورة أكبر في الولايات المتحدة، في حين ترتبط اقتصادات آسيوية وأوروبية أخرى بسلاسل توريد الذكاء الاصطناعي، ما يجعل أي تصحيح كبير في القطاع قابلًا للانتقال عبر الأسواق العالمية.
وفي أحدث تحليلاته، قدر صندوق النقد أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يرفع النمو السنوي المحتمل عالميًا بنحو 0.1 إلى 0.8 نقطة مئوية على المدى الطويل، لكنه أشار أيضًا إلى أن أثر التكنولوجيا على التضخم وسوق العمل يعتمد على سرعة تحقق مكاسب الإنتاجية مقارنة بزيادة الطلب.
التضخم والطاقة يعقدان مهمة البنوك المركزية
ولا تزال أزمة التضخم مرتبطة بصورة وثيقة بتطورات أسواق الطاقة. فقد أشار صندوق النقد في سبتمبر إلى أن صدمة الطاقة لم تنتهِ بالكامل، في ظل استمرار اضطرابات إمدادات النفط والغاز والحاجة إلى إعادة بناء المخزونات، بالتزامن مع ارتفاع الطلب على الطاقة من مراكز البيانات ومشروعات الذكاء الاصطناعي.
وكان تحديث الصندوق في يوليو قد أشار إلى ارتفاع توقعات التضخم العالمي في 2026 إلى 4.7%، مع توقف مسار تراجع التضخم الذي بدأ منذ أوائل 2024، وهو ما يزيد تعقيد قرارات البنوك المركزية بشأن خفض أسعار الفائدة.
صندوق النقد يترقب تحديث توقعاته في أكتوبر
ومن المنتظر أن تحمل توقعات صندوق النقد الجديدة في أكتوبر 2026 قراءة أكثر شمولًا لمسار الاقتصاد العالمي، في ظل استمرار المخاطر المرتبطة بالتضخم والطاقة والديون والاستثمار في الذكاء الاصطناعي.
وأكدت غورغييفا أن بقاء النمو العالمي بالقرب من 3% في ظل الصدمات المتلاحقة يمثل مستوى قويًا، لكنها شددت في الوقت نفسه على ضرورة الحذر، معتبرة أن ارتفاع المخاطر وعدم اليقين أصبحا سمة أساسية للمشهد الاقتصادي العالمي.
ويأتي ذلك بينما يرى الصندوق أن الاقتصاد العالمي لا يزال قادرًا على التكيف مع الصدمات، لكن استمرار ارتفاع الديون، وبقاء التضخم تحت الضغط، واحتمال حدوث إعادة تسعير حادة لاستثمارات الذكاء الاصطناعي، قد تختبر هذه المرونة خلال الفترة المقبلة.
لفهم تأثير ارتفاع الأسعار على الاقتصاد بصورة أوسع، يمكنك التعرف على ما هو التضخم الاقتصادي؟ وأبرز أسبابه ونتائجه.