ارتفاع تكاليف الاقتراض وضغوط التضخم يضعان المالية العامة أمام اختبار صعب
تسعى الحكومة البريطانية إلى تعزيز ثقة المستثمرين في قدرة المالية العامة على الصمود، قبل المضي قدمًا في برنامج أوسع من الإصلاحات الاقتصادية، في وقت تفرض فيه ضغوط الاقتراض والتضخم تحديات متزايدة على الإنفاق الحكومي واستقرار الأسواق.
وقال رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنام إن استعادة الاستقرار المالي تمثل خطوة أساسية قبل تنفيذ تغييرات اقتصادية أوسع، مشددًا على ضرورة التعامل مع التحديات التي تواجه المالية العامة بصورة مباشرة لتجنب زيادة حالة عدم اليقين في الأسواق.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه أسواق السندات العالمية ارتفاعًا في عوائد الديون الحكومية، مع استمرار تأثير تداعيات الصراع في الشرق الأوسط على أسعار الطاقة والتضخم. وأشار بنك إنجلترا إلى أن الصراع أدى إلى ارتفاع حاد وتقلبات في عوائد السندات الحكومية في الاقتصادات المتقدمة، مع انتقال صدمة أسعار الطاقة إلى توقعات التضخم وأسعار الفائدة.
الاقتراض البريطاني يتجاوز التوقعات
وتواجه بريطانيا ضغوطًا إضافية على ميزانيتها بعدما أظهرت أحدث بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية أن صافي اقتراض القطاع العام بلغ 18.3 مليار جنيه إسترليني في أغسطس 2026، بزيادة قدرها 3.5 مليار جنيه عن توقعات مكتب مسؤولية الميزانية.
وبذلك وصل إجمالي الاقتراض منذ بداية السنة المالية إلى نحو 77.3 مليار جنيه إسترليني، متجاوزًا المسار الذي كان متوقعًا في التقديرات السابقة. كما سجلت مدفوعات فوائد الدين مستويات مرتفعة، ما يزيد من صعوبة توفير مساحة مالية كافية أمام الحكومة.
وتتزامن هذه الضغوط مع ارتفاع تكلفة الاقتراض نتيجة صعود عوائد السندات الحكومية، إلى جانب تأثير التضخم المرتبط بارتفاع أسعار الطاقة. وأدى ذلك إلى تقليص هامش المناورة المالية للحكومة قبل الميزانية المقبلة.
التضخم وأسعار الفائدة يزيدان الضغوط
ولا تقتصر التحديات على المالية العامة، إذ لا يزال التضخم البريطاني أعلى من مستهدف بنك إنجلترا البالغ 2%.
وأبقى بنك إنجلترا في اجتماعه الأخير خلال سبتمبر سعر الفائدة الأساسي عند 3.75%، بعدما صوت 6 أعضاء لصالح تثبيته مقابل 3 أعضاء أيدوا رفعه إلى 4%. وأوضح البنك أن تضخم أسعار المستهلكين ارتفع إلى 3.1% في أغسطس، محذرًا من احتمال ارتفاعه أكثر خلال الفصول المقبلة نتيجة استمرار تأثير صدمة الطاقة.
كما أشار البنك إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد يزيد مخاطر التضخم ويؤثر في توقعات السياسة النقدية، فيما ارتفعت تكاليف التمويل التي تواجهها الأسر والشركات منذ اندلاع الصراع في المنطقة.
ميزانية 28 أكتوبر تحت أنظار الأسواق
وتتجه أنظار المستثمرين الآن إلى ميزانية بريطانيا المقرر إعلانها في 28 أكتوبر 2026، والتي ستتزامن مع نشر مكتب مسؤولية الميزانية توقعاته المالية والاقتصادية المحدثة.
وتكتسب الميزانية أهمية خاصة في ظل تجاوز الاقتراض التقديرات السابقة وتراجع هامش المناورة المالية، الأمر الذي قد يفرض على الحكومة اتخاذ قرارات صعبة بشأن الإنفاق والإيرادات والالتزام بالقواعد المالية.
ويواجه وزير المالية جون هيلي تحديًا يتمثل في تحقيق التوازن بين الحفاظ على الانضباط المالي وتمويل أولويات الحكومة في مجالات الخدمات العامة والإسكان والرعاية الاجتماعية والدفاع، في وقت أصبحت فيه خدمة الدين أكثر تكلفة.
بيرنام: الاستقرار شرط لتنفيذ التغيير
وقال بيرنام، قبل المؤتمر السنوي لحزب العمال، إن الحكومة بحاجة أولًا إلى تحقيق الاستقرار وإظهار استعدادها للتعامل مع التحديات الصعبة التي تواجه المالية العامة، معتبرًا أن ذلك يمكن أن يفتح المجال أمام تنفيذ إصلاحات اقتصادية أكبر على المدى الطويل.
وأضاف أن الحكومة لا تستطيع تنفيذ برنامج واسع للتغيير في ظل حالة من عدم الاستقرار المالي، مؤكدًا أن تحقيق الاستقرار يجب أن يسبق أي تحول اقتصادي كبير.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تشير فيه بيانات بنك إنجلترا إلى استمرار حالة عدم اليقين التي تواجه قرارات الاستثمار في بريطانيا، مع بقاء تكاليف الاقتراض أحد العوامل التي تقيد خطط الشركات الاستثمارية.
المستثمرون يترقبون قدرة الحكومة على ضبط المالية العامة
ويمثل تطور تكاليف الاقتراض واختبار قدرة الحكومة على الالتزام بقواعدها المالية محورًا رئيسيًا في تقييم الأسواق للسياسة الاقتصادية البريطانية خلال الفترة المقبلة.
وتشير البيانات الأخيرة إلى أن ارتفاع الاقتراض وتكاليف خدمة الدين يحدان من المساحة المتاحة أمام الحكومة، في حين يزيد استمرار التضخم وارتفاع أسعار الطاقة من تعقيد المشهد الاقتصادي.
ومن المنتظر أن تكشف ميزانية أكتوبر مدى قدرة الحكومة على الجمع بين ضبط المالية العامة وتمويل أولوياتها الاقتصادية، بينما تراقب الأسواق عن كثب مسار الدين والعجز والإنفاق، إلى جانب التوقعات الجديدة لمكتب مسؤولية الميزانية.