قال رئيس التشغيل في شركة سبائك، محمد صلاح، إن التراجع الأخير في أسعار الذهب يأتي في إطار حركة تصحيحية طبيعية بعد المكاسب القوية التي سجلها المعدن خلال أغسطس، مشيرًا إلى أن استمرار العوامل الأساسية الداعمة للذهب يبقي الأسعار في نطاق مرتفع رغم ضغوط الدولار وعوائد السندات.
وأضاف صلاح، في مقابلة مع “العربية Business”، أن الذهب تراجع بنحو 7% خلال الفترة الأخيرة، بعد صعود قوي خلال أغسطس بلغ نحو 12%، وهو ما دفع المستثمرين إلى عمليات جني أرباح بعد الارتفاعات الكبيرة.
وأوضح أن حركة الذهب تأثرت أيضًا بعدد من العوامل الخارجية، أبرزها ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية وقوة الدولار، إلى جانب تشدد السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي الأميركي.
الذهب يحافظ على مستوى 4 آلاف دولار
رغم موجة التصحيح، يرى صلاح أن أسعار الذهب لا تزال في منطقة آمنة، متوقعًا استمرار تداول المعدن النفيس فوق مستوى 4 آلاف دولار للأونصة خلال الفترة المقبلة.
وأشار إلى أن نطاق التداول المتوقع للذهب يتراوح بين 4 آلاف و4450 دولارًا للأونصة، مع إمكانية استعادة المعدن لمستوياته القياسية فوق 5 آلاف دولار على المدى المتوسط، بدعم من ارتفاع مستويات الدين الأميركي واستمرار الطلب الرسمي من البنوك المركزية.
وتأتي هذه التوقعات في وقت أظهرت فيه تعاملات بداية أكتوبر استمرار تعرض الذهب لضغوط من ارتفاع الدولار وعوائد السندات الأميركية. فقد تراجع السعر الفوري للذهب في تعاملات 2 أكتوبر بنحو 0.9% إلى 4140.06 دولار للأونصة، مسجلًا خسارة أسبوعية تقارب 3.4%.
لكن الذهب أظهر في الوقت نفسه قدرة واضحة على التماسك فوق مستوى 4 آلاف دولار، رغم ارتفاع عوائد سندات الخزانة، وهو ما يعكس استمرار الطلب الاستثماري والرسمي على المعدن باعتباره أداة للتحوط وتنويع الاحتياطيات.
ضعف بيانات الوظائف يخفف ضغوط الفائدة على الذهب
وتغيرت توقعات الأسواق بشأن السياسة النقدية الأميركية خلال الأيام الأخيرة، بعد صدور بيانات أظهرت إضافة الاقتصاد الأميركي 29 ألف وظيفة فقط خلال سبتمبر، مقابل توقعات عند نحو 90 ألف وظيفة، مع ارتفاع معدل البطالة إلى 4.2%.
وأدت البيانات الضعيفة إلى تراجع توقعات رفع الفائدة الأميركية في اجتماع أكتوبر، إذ باتت الأسواق تميل إلى احتمال تثبيت أسعار الفائدة، وهو تطور قد يوفر دعمًا للذهب إذا استمر تراجع الدولار وعوائد السندات.
وكان الاحتياطي الفيدرالي قد رفع نطاق سعر الفائدة في اجتماعه يومي 15 و16 سبتمبر بمقدار 25 نقطة أساس إلى 3.75%-4%، فيما يعقد اجتماعه المقبل يومي 27 و28 أكتوبر.
ويرتبط الذهب عادةً بعلاقة عكسية مع عوائد الأصول الأميركية، إذ يؤدي ارتفاع الفائدة والعوائد إلى زيادة تكلفة الفرصة البديلة لحيازة المعدن الذي لا يدر عائدًا، بينما يمكن أن تستفيد أسعاره من انخفاض توقعات الفائدة والعوائد.
مشتريات البنوك المركزية تدعم أسعار الذهب
وأكد صلاح أن استمرار مشتريات البنوك المركزية يمثل أحد أهم العوامل التي تدعم أسعار الذهب، مشيرًا إلى أن البنوك المركزية قد تستغل التراجعات الحالية لتعزيز احتياطياتها من المعدن النفيس وتنويع أصولها بعيدًا عن الدولار.
وتؤكد بيانات مجلس الذهب العالمي استمرار هذا الاتجاه؛ إذ سجلت البنوك المركزية صافي مشتريات بلغ نحو 23 طنًا خلال يوليو، بينما قادت الصين وبولندا مشتريات الأسواق الناشئة، مع شراء الصين نحو 20 طنًا خلال الشهر. وبلغ إجمالي مشتريات البنوك المركزية المعلنة منذ بداية العام وحتى يوليو نحو 130 طنًا.
كما تسارعت مشتريات بنك الشعب الصيني بصورة لافتة خلال أغسطس، بعدما أضاف نحو 20.2 طن من الذهب إلى احتياطياته، وهي أكبر زيادة شهرية منذ أكتوبر 2023، لترتفع حيازاته إلى نحو 2387 طنًا بنهاية أغسطس.
وبذلك واصل البنك المركزي الصيني زيادة احتياطياته من الذهب للشهر الثاني والعشرين على التوالي، في مؤشر على استمرار استراتيجية تنويع الاحتياطيات وتعزيز دور الذهب في مواجهة المخاطر الجيوسياسية والمالية.
هل يعود الذهب إلى مستوى 5 آلاف دولار؟
يرى رئيس التشغيل في “سبائك” أن قدرة الذهب على العودة إلى مستويات قياسية جديدة فوق 5 آلاف دولار للأونصة تظل قائمة، خصوصًا مع استمرار مشتريات البنوك المركزية وارتفاع مستويات الدين العام الأميركي وتزايد المخاوف المرتبطة بالسياسات الاقتصادية والتجارية الأميركية.
وتشير تحليلات حديثة إلى أن طبيعة سوق الذهب تغيرت خلال السنوات الأخيرة؛ فلم تعد حركة المعدن مرتبطة فقط بالدولار وعوائد السندات وأسعار الفائدة، إذ أصبحت مشتريات البنوك المركزية وتنويع الاحتياطيات والمخاطر الجيوسياسية عوامل أكثر تأثيرًا في تحديد اتجاهات الطلب.
وفي يونيو، أظهر مسح سنوي لمجلس الذهب العالمي أن 89% من مديري الاحتياطيات يتوقعون ارتفاع حيازات البنوك المركزية العالمية من الذهب خلال الأشهر الـ12 التالية، فيما توقع 45% منهم زيادة حيازات مؤسساتهم من المعدن خلال الفترة نفسها.
وبالتالي، فإن التراجع الحالي في أسعار الذهب قد يمثل، وفق رؤية “سبائك”، مرحلة تصحيح بعد موجة الصعود القوية في أغسطس، وليس بالضرورة بداية لاتجاه هبوطي طويل، خصوصًا مع استمرار الطلب الرسمي من البنوك المركزية وتزايد أهمية الذهب كأداة لتنويع الاحتياطيات والتحوط من المخاطر العالمية.