حذرت كريستالينا غورغييفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، من تزايد المخاطر التي تهدد الاقتصاد العالمي، في ظل استمرار ارتفاع أسعار الطاقة، وتنامي مستويات الدين العام، بالتزامن مع طفرة استثمارات الذكاء الاصطناعي التي تدعم النمو لكنها تضيف ضغوطًا جديدة على التضخم والأسواق المالية.
وقالت غورغييفا، في تصريحات سبقت اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي المقرر عقدها في بانكوك، إن الاقتصاد العالمي يواجه صدمة مزدوجة؛ الأولى سلبية ناتجة عن اضطرابات إمدادات الطاقة المرتبطة بالصراعات في الشرق الأوسط، والثانية إيجابية من طفرة الطلب والاستثمار في الذكاء الاصطناعي، لكنها تحمل في الوقت نفسه آثارًا تضخمية متفاوتة بين الاقتصادات.
الذكاء الاصطناعي يدعم النمو العالمي
أوضحت غورغييفا أن الاقتصاد العالمي أثبت قدرته على الصمود أمام سلسلة من الصدمات خلال السنوات الأخيرة، مشيرة إلى أن طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي أصبحت أحد المحركات الرئيسية للنشاط الاقتصادي، لا سيما في الولايات المتحدة والاقتصادات المرتبطة بسلاسل القيمة التكنولوجية.
وبحسب تقديرات صندوق النقد، يمكن أن يضيف الذكاء الاصطناعي نحو 0.5 نقطة مئوية إلى النمو العالمي سنويًا إذا تحققت مكاسب الإنتاجية المتوقعة، في وقت تتزايد فيه الاستثمارات في مراكز البيانات والطاقة والبنية التحتية اللازمة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
لكن الصندوق يحذر في الوقت نفسه من أن إعادة تقييم مبالغ فيها لربحية شركات الذكاء الاصطناعي قد تؤدي إلى تصحيح في الأسواق المالية، خصوصًا مع ارتفاع تقييمات شركات التكنولوجيا وتزايد احتياجاتها التمويلية.
الطاقة تعيد إشعال الضغوط التضخمية
في المقابل، لا تزال أسعار الطاقة تمثل مصدرًا رئيسيًا للمخاطر على الاقتصاد العالمي، إذ أشارت غورغييفا إلى أن صدمة إمدادات الطاقة تم احتواؤها بدرجة أكبر من المتوقع، بفضل إعادة توجيه الإمدادات واستخدام المخزونات ومصادر بديلة، لكن تداعياتها لم تنتهِ.
وقال صندوق النقد في أحدث تقييماته إن أسعار النفط والغاز والمنتجات المكررة لا تزال مرتفعة، بينما زاد الطلب على الطاقة، بما في ذلك الطلب المرتبط بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، من الضغوط على الأسواق. كما ارتفعت أسعار الديزل والبنزين ووقود الطائرات بنسب كبيرة مقارنة بمستويات ما قبل الصراع.
وتأتي هذه التطورات في وقت توقع فيه صندوق النقد، في تحديث يوليو، استمرار أسعار الطاقة فوق مستويات ما قبل الحرب، مع تقدير متوسط سعر النفط عند نحو 89 دولارًا للبرميل في عام 2026 وفق افتراضات ذلك التقرير.
الدين العالمي يقترب من تجاوز 100% من الناتج
وعلى صعيد المالية العامة، حذرت غورغييفا من أن مستويات الدين العام العالمي أصبحت مصدر قلق متزايد، مع اقترابها من 100% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي واستمرار الاتجاه الصعودي.
وكان صندوق النقد قد أشار في توقعاته إلى أن الدين السيادي العالمي يتجه لتجاوز 100% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول نهاية العقد، بينما تؤدي احتياجات التمويل المرتفعة وإصدارات الديون الكبيرة إلى زيادة الضغوط على أسواق السندات وتكاليف الاقتراض.
ودعت غورغييفا الحكومات إلى استعادة هوامش الأمان المالية وتعزيز مصداقية السياسات المالية، خصوصًا في ظل ارتفاع عوائد السندات وتزايد تكلفة خدمة الدين.
تحذير من استمرار التضخم وارتفاع الفائدة
وترى غورغييفا أن التداخل بين ارتفاع أسعار الطاقة والطلب المتزايد على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي قد يجعل مهمة البنوك المركزية أكثر تعقيدًا، خصوصًا مع تعثر مسار انخفاض التضخم في عدد من الاقتصادات.
وكان صندوق النقد قد أكد في أحدث تقييماته أن عملية خفض التضخم العالمي فقدت بعض زخمها، فيما قد تؤدي صدمات الطاقة الجديدة إلى ارتفاع توقعات التضخم وتشديد الأوضاع المالية.
وأظهرت تقديرات صندوق النقد في يوليو أن الاقتصاد العالمي مرشح للنمو بنسبة 3% خلال 2026 و3.4% في 2027، لكن الأداء يظل متفاوتًا بين الدول، إذ تضغط صدمة الحرب والطاقة على الاقتصادات المستوردة للطاقة، بينما تستفيد الاقتصادات المنخرطة في سلسلة القيمة التكنولوجية من طفرة الذكاء الاصطناعي.
الاقتصادات الأكثر تضررًا من صدمة الطاقة
وأشارت غورغييفا إلى أن تداعيات الصدمات الحالية ليست متساوية بين الدول، إذ تتعرض الاقتصادات المتضررة من الحرب، إلى جانب بعض دول الخليج والاقتصادات المستوردة للطاقة، لضغوط أكبر على النمو.
وفي المقابل، تستفيد بعض الاقتصادات الآسيوية والتكنولوجية من زيادة الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي، ما يعكس تباينًا متزايدًا في مسارات النمو العالمي.
وأكد صندوق النقد أن استمرار التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة أو حدوث إعادة تسعير حادة للأصول المرتبطة بالذكاء الاصطناعي يمثلان أبرز المخاطر السلبية على التوقعات الاقتصادية العالمية خلال الفترة المقبلة.
صندوق النقد يترقب توقعات اقتصادية جديدة
وتأتي تصريحات غورغييفا قبل انطلاق الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك خلال الفترة من 12 إلى 18 أكتوبر 2026، حيث من المنتظر أن يكشف الصندوق عن تحديثاته الجديدة لتوقعات الاقتصاد العالمي، إلى جانب تقارير حول الاستقرار المالي والمالية العامة.
ومن المتوقع أن تركز المناقشات على كيفية تحقيق التوازن بين احتواء التضخم، وخفض أعباء الدين، والحفاظ على الاستثمارات اللازمة لتعزيز النمو، في وقت أصبح فيه الذكاء الاصطناعي والطاقة عاملين متداخلين بصورة متزايدة في الاقتصاد العالمي.