كوريا الجنوبية تكثف التنسيق الاقتصادي لمواجهة الغموض العالمي وضغوط المعيشة
يكثف اقتصاد كوريا الجنوبية جهوده للتعامل مع حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي وتصاعد الضغوط على معيشة المواطنين، من خلال تعزيز التنسيق بين السياسة المالية والنقدية، رغم ظهور مؤشرات على تحسن النمو مدفوعة بقوة الصادرات والاستثمارات المرتبطة بقطاع أشباه الموصلات.
والتقى نائب رئيس الوزراء ووزير المالية والاقتصاد الكوري الجنوبي لي هيونغ إيل محافظ بنك كوريا المركزي شين هيون سونغ اليوم الاثنين في مقر البنك المركزي بسيول، في أول اجتماع بين المسؤولين منذ تولي لي منصبه الأسبوع الماضي.
وأكد المسؤولان خلال اللقاء الحاجة إلى تعزيز التعاون بين وزارة المالية والبنك المركزي للتعامل بصورة استباقية مع المخاطر الاقتصادية والمالية، في وقت أصبحت فيه أسواق السندات والعملات والعقارات والديون الأسرية أكثر ترابطًا وتأثرًا بتغيرات أسعار الفائدة وأسعار الأصول.
الصادرات وأشباه الموصلات تدعمان النمو
واتفق لي وشين على أن الاقتصاد الكوري الجنوبي يكتسب زخماً، بدعم من قوة الصادرات والاستثمار، بالتزامن مع استمرار دورة الازدهار في صناعة أشباه الموصلات، أحد أهم محركات الاقتصاد الكوري.
وكان الاقتصاد الكوري قد سجل نمواً فصلياً قدره 0.6% في الربع الثاني من 2026، متجاوزاً التوقعات، بينما بلغ النمو على أساس سنوي 3.7%، مدفوعاً بصورة رئيسية بطفرة صادرات الرقائق الإلكترونية التي ساعدت في تعويض ضعف الاستثمار في قطاع البناء.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة لسيول، في ظل استمرار الطلب العالمي على رقائق الذكاء الاصطناعي، وما يوفره ذلك من دعم للصادرات والاستثمار والنشاط الصناعي.
مخاطر خارجية تضغط على الاقتصاد
في المقابل، حذر المسؤولان من استمرار الضغوط على سبل معيشة المواطنين بسبب ارتفاع مستوى عدم اليقين الخارجي، ومن بينها اتجاه الاقتصادات الكبرى إلى تشديد السياسة النقدية والمخاطر الجيوسياسية.
وتأتي هذه المخاطر في وقت يظل فيه التضخم وأسعار الطاقة وتكاليف الاستيراد من أبرز العوامل التي تراقبها السلطات الكورية، فيما تواصل البنوك المركزية الكبرى تقييم الحاجة إلى إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لمواجهة الضغوط السعرية.
تعاون أكبر بين الحكومة والبنك المركزي
وقال وزير المالية لي هيونغ إيل إن الحكومة تنظر إلى بنك كوريا باعتباره شريكاً مهماً في رسم السياسات المتعلقة بالاستقرار الاقتصادي والنمو، مؤكداً أهمية تعزيز قنوات التواصل بين الجانبين.
وأشار إلى أن التعاون سيشمل عدداً من الملفات، من بينها دعم استقرار الاقتصاد، وتعزيز النمو، وتطوير دور العملة الكورية في الأسواق الدولية، إلى جانب التعاون في مجال التمويل الرقمي وتوسيع إمكانات النمو والاستفادة بصورة أوسع من ثماره.
من جانبه، أكد محافظ بنك كوريا شين هيون سونغ أن الحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي يتطلب استقرار الأسعار والأسواق المالية، مشيراً إلى أن السياسة النقدية الأخيرة للبنك تهدف إلى احتواء الضغوط التضخمية المرتبطة بالطلب وتعزيز الثقة بالاقتصاد الكوري، بما يساعد على استقرار سعر الصرف وتخفيف ضغوط التكلفة.
مراقبة مترابطة لأسواق السندات والعملات والعقارات
واتفق المسؤولان كذلك على تعزيز المراقبة المتكاملة للمخاطر، بدلاً من التعامل مع كل سوق بصورة منفصلة، مع التركيز على الروابط بين أسواق السندات والعملات والعقارات وديون الأسر.
ويأتي ذلك في وقت يواجه فيه الاقتصاد الكوري تحديات مرتبطة بتقلبات الأسواق المالية وسعر الوون وتكاليف الاقتراض، ما يدفع السلطات إلى التركيز على التدخل المبكر للحد من انتقال الصدمات بين الأسواق.
كما أكد المسؤولان استمرار التنسيق من خلال قنوات متعددة إلى جانب اجتماعات مراقبة الأسواق المعروفة باسم F4، بهدف تعزيز الاستجابة المشتركة للمخاطر الاقتصادية والمالية.
السياسة النقدية تحت المجهر
ويأتي الاجتماع في وقت يظل فيه مسار السياسة النقدية الكورية محل متابعة عن كثب. وكان بنك كوريا قد رفع سعر الفائدة الأساسي في يوليو 2026 بمقدار 25 نقطة أساس إلى 2.75%، في أول زيادة له منذ ثلاث سنوات ونصف، في محاولة لمواجهة الضغوط التضخمية ودعم استقرار الوون.
وفي سبتمبر، أكد أحد أعضاء مجلس البنك المركزي أن قرارات رفع الفائدة المقبلة ستعتمد على تطورات التضخم والنمو والاستقرار المالي، بما يشير إلى استمرار اعتماد البنك على البيانات الاقتصادية عند تحديد توقيت وسرعة أي خطوات إضافية.
وتعكس التحركات الأخيرة محاولة السلطات الكورية تحقيق توازن بين الاستفادة من قوة قطاع أشباه الموصلات والصادرات من جهة، واحتواء المخاطر الناتجة عن التضخم وأسعار الفائدة وتقلبات الأسواق والبيئة الجيوسياسية من جهة أخرى.