أظهر الاقتصاد المصري قدرة ملحوظة على امتصاص تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، وفق أحدث تقييم لصندوق النقد الدولي، مدفوعًا بمرونة سعر الصرف، وسرعة استجابة السياسات الاقتصادية، وتحسن الاحتياطيات والهوامش الوقائية.
وقال الصندوق إن نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بلغ 5% خلال الربع الثالث من السنة المالية 2025-2026، فيما وصل النمو خلال الأشهر التسعة الأولى من العام المالي إلى 5.2%، مع توقعات بأن يسجل الاقتصاد نموًا بنحو 4.6% خلال السنة المالية 2025-2026.
تدفقات المستثمرين تعود والأسواق تستعيد توازنها
أوضح صندوق النقد أن الصدمة التي أحدثتها الحرب انعكست بصورة واضحة على الأسواق المالية في البداية، إذ تراجعت حيازات غير المقيمين من أدوات الدين المحلية المقومة بالجنيه من نحو 39.1 مليار دولار في فبراير إلى 22.2 مليار دولار مطلع أبريل 2026، بالتزامن مع انخفاض قيمة الجنيه بنحو 14% إلى 17%.
لكن الضغوط تراجعت لاحقًا مع تحسن الظروف الإقليمية، وعادت تدفقات المحافظ الاستثمارية الأجنبية إلى مستويات قريبة من ما قبل الصراع، بينما استعاد الجنيه جزءًا كبيرًا من خسائره السابقة.
وساعد تحسن معنويات المستثمرين على عودة مصر إلى أسواق رأس المال الدولية؛ إذ طرحت البلاد سندًا اجتماعيًا باليورو بقيمة مليار دولار في مايو 2026، أعقبه إصدار سند ساموراي بقيمة 500 مليون دولار في يونيو، بينما تراجعت علاوة المخاطر السيادية لمصر في أغسطس إلى أدنى مستوى لها منذ عام 2014، بحسب صندوق النقد.
السياحة والتحويلات تدعمان الاقتصاد
وأشار الصندوق إلى استمرار قوة مصادر العملة الأجنبية الرئيسية، وعلى رأسها تحويلات المصريين العاملين بالخارج وإيرادات السياحة، بالتزامن مع تحسن تدريجي في نشاط قناة السويس بعد الاضطرابات التي شهدتها المنطقة.
وساعدت هذه التدفقات على احتواء الضغوط الخارجية وارتفاع فاتورة واردات النفط والغاز، فيما قدر الصندوق عجز الحساب الجاري بنحو 4.5% من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنة المالية 2025-2026.
صندوق النقد يحذر من مخاطر الدين والتمويل
ورغم تحسن قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة الصدمات، يرى صندوق النقد أن نقاط الضعف المالية لا تزال قائمة، وفي مقدمتها ارتفاع الدين العام، وكبر الاحتياجات التمويلية الإجمالية، والاعتماد على آجال استحقاق قصيرة، إلى جانب استمرار ارتفاع انكشاف البنوك المحلية على الحكومة.
ووفق أحدث تقييم للصندوق، قد تظل الاحتياجات التمويلية الإجمالية لمصر عند نحو 40% من الناتج المحلي في المدى القريب، قبل أن تتراجع تدريجيًا إلى أقل من 30% بحلول عام 2030.
ويرى الصندوق أن تقليل مخاطر إعادة التمويل يتطلب زيادة الاعتماد على أدوات الدين الأطول أجلًا، وتوسيع قاعدة المستثمرين، وتعميق سوق الدين المحلية، إلى جانب تطوير إدارة الدين الحكومي.
920 مليون دولار من التخارج لخفض الاحتياجات التمويلية
وفي إطار خطة خفض الاحتياجات التمويلية، يستهدف برنامج الإصلاح الاقتصادي خلال السنة المالية 2026-2027 تحقيق خفض إجمالي بنحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي.
وتشير تقديرات صندوق النقد إلى أن حصيلة التخارج من أصول الدولة، البالغة نحو 920 مليون دولار، يمكن أن تسهم في خفض الاحتياجات التمويلية بما يعادل 0.2% من الناتج المحلي الإجمالي.
كما يستهدف البرنامج تحقيق خفض إضافي يعادل 2.5% من الناتج المحلي من خلال إطالة آجال أذون الخزانة، إلى جانب خفض يعادل 2.3% عبر عمليات إدارة الالتزامات الطوعية، ليصل إجمالي الخفض المستهدف إلى 5% من الناتج المحلي خلال السنة المالية.
وكان الصندوق قد أشار في تحديث لاحق إلى أن حصيلة التخارج المحولة إلى الموازنة بلغت نحو 526.3 مليون دولار حتى 26 يوليو 2026، منها 420 مليون دولار من بيع حصة كاملة في مزرعة جبل الزيت لطاقة الرياح، إضافة إلى 106.3 مليون دولار من بيع حصص في شركات مملوكة للدولة مدرجة بالبورصة، مع تخصيص حصيلة التخارج لخفض الدين.
الدين الخارجي يرتفع.. لكن بأقل من التقديرات السابقة
وفيما يتعلق بالدين الخارجي، حسن صندوق النقد تقديراته للعام المالي الجاري، متوقعًا وصوله إلى نحو 177 مليار دولار، مقارنة بتقدير سابق بلغ 184 مليار دولار.
كما قدر الصندوق الدين الخارجي عند نحو 163 مليار دولار بنهاية السنة المالية الماضية، وهو مستوى أقل من تقديره السابق البالغ 178.3 مليار دولار.
وبالنسبة لخدمة الدين الخارجي، قدر الصندوق أنها بلغت نحو 54 مليار دولار خلال العام المالي الماضي، مقابل توقع سابق عند 60.5 مليار دولار، فيما يتوقع ارتفاعها إلى نحو 59 مليار دولار خلال العام المالي الجاري، مقارنة بتقدير سابق بلغ 63.4 مليار دولار.
وتعكس هذه المراجعات انخفاضًا عن التقديرات السابقة، لكنها في الوقت نفسه تؤكد استمرار ضخامة الالتزامات الخارجية وضرورة إدارة آجال الاستحقاق ومصادر التمويل بصورة أكثر استدامة.
إصلاحات أعمق لتعزيز دور القطاع الخاص
ويؤكد صندوق النقد أن تحسن قدرة الاقتصاد المصري على تحمل الصدمات لا يعني اختفاء نقاط الضعف الهيكلية، مشددًا على ضرورة الحفاظ على مرونة سعر الصرف، واستمرار السياسة النقدية الملائمة والانضباط المالي.
كما يدعو إلى تسريع تنفيذ سياسة ملكية الدولة وبرنامج التخارج، وتقليص البصمة الحكومية في النشاط الاقتصادي، وتعزيز المنافسة والحوكمة داخل الشركات المملوكة للدولة، بما يسمح بزيادة مساحة القطاع الخاص والاستثمار الخاص.
وفي أحدث تقييم له، حذر الصندوق من أن عودة التوترات الإقليمية قد ترفع أسعار الطاقة وتزيد الضغوط التضخمية وتؤدي إلى خروج تدفقات استثمارية وارتفاع تكاليف الاقتراض، بينما يمكن لتعافي حركة الملاحة في قناة السويس وتسريع الإصلاحات الهيكلية أن يدعما النمو وتدفقات النقد الأجنبي.
وبذلك، يضع صندوق النقد الاقتصاد المصري أمام معادلة مزدوجة: تحسن واضح في القدرة على امتصاص الصدمات الخارجية واستعادة ثقة الأسواق، مقابل استمرار الحاجة إلى خفض الدين والاحتياجات التمويلية وتسريع الإصلاحات التي تدعم نمو القطاع الخاص.