يواجه رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو ضغوطًا متزايدة من موظفي القطاع العام والنقابات، مع تنظيم إضراب وتظاهرات واسعة في أنحاء فرنسا اليوم الثلاثاء 29 سبتمبر 2026، قبل أيام قليلة من عرض مشروع موازنة فرنسا 2027 على الحكومة والبرلمان.
وتنظم النقابات أكثر من 170 تظاهرة في مختلف أنحاء البلاد، بمشاركة موظفين من قطاعات متعددة، بينهم رجال الإطفاء والعاملون في الخدمات العامة، للمطالبة بتحسين الأجور وزيادة الموارد المخصصة للمرافق العامة، إلى جانب الاعتراض على توجهات الحكومة المالية لموازنة العام المقبل.
تجميد أجور موظفي القطاع العام يشعل الاحتجاجات
تأتي التحركات بعدما أعلن لوكورنو في سبتمبر الجاري تجميد قيمة النقطة الاستدلالية لأجور موظفي القطاع العام خلال عام 2027، في خطوة اعتبرتها النقابات استمرارًا للضغوط على القوة الشرائية للعاملين في الدولة.
وتطالب النقابات بإعادة النظر في سياسة الأجور، بما يشمل زيادة قيمة النقطة الاستدلالية وربطها بالتضخم، إلى جانب تعديل جداول الرواتب وتحسين ظروف العمل وتوفير مخصصات مالية تتناسب مع احتياجات الخدمات العامة.
وتشارك في الدعوة إلى الإضراب النقابات الرئيسية في القطاع العام، ومن بينها CGT وFO وCFDT وUNSA وFSU وSolidaires وCFE-CGC وFA-FP، في تحرك نقابي موحد يستهدف الضغط على الحكومة قبيل إقرار التوجهات الرئيسية لموازنة 2027.
الإطفاء في مقدمة المحتجين بعد صيف حافل بالحرائق
ومن المتوقع أن يكون رجال الإطفاء من أبرز المشاركين في الاحتجاجات، بعد موسم صيف شهد موجات من الحرائق وارتفاعًا في الضغوط التشغيلية على أجهزة الطوارئ والخدمات العامة.
وتشير تقديرات السلطات إلى مشاركة ما بين 5 آلاف و10 آلاف من رجال الإطفاء في التظاهرات، في حين تتوقع السلطات أن يتراوح إجمالي عدد المشاركين في التحركات على مستوى البلاد بين 20 ألفًا و40 ألف شخص.
وتسعى النقابات من خلال التحرك إلى توجيه رسالة مباشرة للحكومة بشأن أوضاع العاملين في القطاع العام، وكذلك إلى المرشحين للانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة، مع اقتراب البلاد من الاستحقاق الانتخابي لعام 2027.
موازنة فرنسا 2027 تحت ضغط خفض العجز
تأتي الاحتجاجات في وقت تواجه فيه فرنسا ضغوطًا متزايدة لإعادة ضبط أوضاع المالية العامة. وأظهرت بيانات وزارة الخزانة الفرنسية أن العجز العام بلغ 5.1% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025، بينما وصلت نسبة الدين العام إلى 115.7% من الناتج، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه الحكومة في ضبط الإنفاق.
وكان لوكورنو قد أعلن في سبتمبر عن خطة تستهدف تحقيق وفورات بنحو 54 مليار يورو ضمن مشروع موازنة 2027، مع السعي إلى إبقاء العجز عند نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي العام المقبل. وتتضمن الخطة تجميد النقطة الاستدلالية لموظفي الدولة، إلى جانب إجراءات أخرى لخفض الإنفاق.
وتزداد صعوبة مهمة الحكومة مع ارتفاع تكلفة خدمة الدين. وكان وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور قد خفّض توقعات نمو الاقتصاد الفرنسي لعام 2026 إلى 0.5% من 0.7%، بينما ارتفعت تكلفة خدمة الدين إلى نحو 65 مليار يورو، وفق بيانات نقلتها رويترز في سبتمبر.
كما حذر محافظ بنك فرنسا إيمانويل مولان من الضغوط المتزايدة على المالية العامة، مشيرًا إلى ارتفاع عائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات إلى نحو 4.7%، وهو مستوى يعكس ارتفاع تكلفة الاقتراض وسط المخاوف المرتبطة بالوضع المالي والسياسي.
الحكومة تستعد لعرض موازنة 2027
وتتجه الحكومة الفرنسية إلى تقديم مشروع قانون المالية لعام 2027 بالتزامن مع مشروع قانون تمويل الضمان الاجتماعي، في الأول من أكتوبر، وفق وزارة الاقتصاد والمالية الفرنسية.
ومن المنتظر أن تتركز المناقشات حول قدرة الحكومة على تحقيق وفورات كبيرة في الإنفاق مع الحفاظ على الخدمات العامة، في ظل مطالب النقابات بزيادة أجور الموظفين وتوفير موارد إضافية للقطاعات الحكومية.
وفي الوقت نفسه، تواجه الحكومة تحديًا سياسيًا في تمرير الموازنة داخل برلمان منقسم، ما يزيد أهمية التفاوض حول بنود الإنفاق والإيرادات قبل بدء المناقشات البرلمانية.
اضطرابات محدودة متوقعة في النقل
ومن المتوقع أن تمتد تداعيات الإضراب إلى عدد من الخدمات العامة، بما في ذلك المدارس وبعض مرافق الرعاية الصحية والنقل، مع تفاوت مستوى الاضطرابات بين المناطق.
وفي قطاع السكك الحديدية، تشير التقديرات الأولية إلى أن تأثير الإضراب سيكون محدودًا نسبيًا مقارنة بتحركات سابقة، بينما تشهد العاصمة باريس تحركات واسعة تشمل قطاعات النقل والتعليم والصحة والخدمات العامة.
وتضع احتجاجات 29 سبتمبر الحكومة الفرنسية أمام اختبار مزدوج: احتواء مطالب موظفي القطاع العام من جهة، والحفاظ على مسار خفض العجز والدين من جهة أخرى، قبل الكشف عن التفاصيل الكاملة لموازنة 2027 في الأول من أكتوبر.