تتجه الأسهم الأوروبية لإنهاء سبتمبر على تراجع، مسجلة أول خسارة شهرية لها في ستة أشهر، مع تصاعد المخاوف بشأن التضخم وارتفاع تكاليف الاقتراض، في ظل استمرار تداعيات الحرب في الشرق الأوسط على أسعار الطاقة والأسواق العالمية.
وصعد مؤشر ستوكس 600 الأوروبي بنحو 0.7% خلال تعاملات الأربعاء 30 سبتمبر 2026، ليصل إلى نحو 642.69 نقطة، لكنه ظل متجهاً لتسجيل خسارة شهرية تقارب 1.5%، بينما تشير تحركات السوق إلى أن المؤشر قد ينهي الربع الثالث من العام دون تغير يُذكر.
ارتفاع عوائد السندات يضغط على الأسهم الأوروبية
جاءت تحركات الأسهم الأوروبية في وقت تعرضت فيه أسواق السندات العالمية لضغوط قوية خلال سبتمبر، مع ارتفاع توقعات التضخم واحتمالات بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
وأدت القفزة في عوائد السندات الحكومية إلى زيادة تكاليف التمويل بالنسبة للشركات والحكومات، ما حدّ من شهية المستثمرين تجاه الأصول عالية المخاطر، بما فيها الأسهم.
وأشارت رويترز إلى أن الربع الثالث شهد ارتفاعاً حاداً في عوائد السندات العالمية، مع وصول بعض عوائد السندات الرئيسية إلى مستويات لم تُسجل منذ سنوات، في ظل المخاوف المرتبطة بالتضخم والإنفاق الحكومي وارتفاع أسعار الطاقة.
النفط يعزز مخاوف التضخم في أوروبا
وتظل أسعار النفط أحد أبرز مصادر القلق للمستثمرين الأوروبيين، بعدما أدت الحرب في الشرق الأوسط إلى زيادة المخاوف بشأن إمدادات الطاقة العالمية.
واستقرت أسعار النفط إلى حد كبير خلال تعاملات الأربعاء، لكنها تتجه لتحقيق مكاسب قوية خلال سبتمبر. وبلغ سعر خام برنت للعقود الأقرب نحو 102.43 دولار للبرميل، بينما سجل العقد الأكثر نشاطاً نحو 95.98 دولار، في حين بلغ خام غرب تكساس الوسيط نحو 89.40 دولار. ويتجه برنت لتحقيق مكاسب تقارب 13% خلال الشهر، في أكبر ارتفاع شهري له منذ يوليو.
وجاءت هذه التحركات بعدما نفى الرئيس الأميركي دونالد ترامب استعداده لتخفيف العقوبات المفروضة على إيران، في وقت تتواصل فيه جهود دبلوماسية بقيادة قطر لدفع الأطراف نحو مفاوضات تهدف إلى إنهاء الحرب.
وفي المقابل، أظهرت بيانات حديثة أن صادرات النفط من منطقة الخليج بدأت تستعيد مستويات أقرب إلى ما قبل الحرب، وهو ما قد يخفف بعض الضغوط على أسواق الإمدادات إذا استمر هذا الاتجاه.
التضخم في فرنسا يتجاوز التوقعات
وزادت بيانات التضخم الأوروبية من حذر المستثمرين، بعدما أظهرت بيانات أولية أن التضخم في فرنسا ارتفع خلال سبتمبر بأكثر من المتوقع.
وبلغ معدل التضخم الفرنسي وفق المؤشر المنسق مع معايير منطقة اليورو 3.4% على أساس سنوي في سبتمبر، بحسب البيانات الأولية الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية، في قراءة تعكس استمرار الضغوط السعرية في أكبر اقتصادات منطقة اليورو.
وتأتي هذه البيانات بعد ارتفاع التضخم في ألمانيا إلى 2.9% خلال أغسطس، مقارنة مع 2.8% في يوليو و2.3% في يونيو، بينما ارتفعت أسعار الطاقة في ألمانيا بنسبة 10.5% على أساس سنوي، وقفزت أسعار الوقود بنسبة 27.7%، ما يؤكد الدور المتزايد للطاقة في دفع التضخم إلى أعلى.
قرار المركزي الأوروبي يزيد حساسية الأسواق
وتراقب الأسواق الأوروبية عن كثب مسار السياسة النقدية للبنك المركزي الأوروبي، بعدما رفع البنك في سبتمبر أسعار الفائدة الرئيسية بمقدار 25 نقطة أساس، مشيراً إلى أن تداعيات الصراع في الشرق الأوسط تواصل توليد ضغوط تضخمية.
ورفع البنك سعر فائدة الإيداع إلى 2.50%، وسعر عمليات إعادة التمويل الرئيسية إلى 2.65%، وسعر الإقراض الهامشي إلى 2.90%، على أن تدخل المستويات الجديدة حيز التنفيذ في 16 سبتمبر.
كما يتوقع البنك المركزي الأوروبي أن يبلغ متوسط التضخم في منطقة اليورو 3.0% خلال 2026، قبل أن يتراجع إلى 2.5% في 2027 و2.1% في 2028. وتشير توقعاته إلى احتمال بلوغ التضخم ذروة عند نحو 3.6% في الربع الأخير من 2026 نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة المرتبطة بالحرب.
وتفسر هذه التوقعات سبب استمرار حساسية الأسهم الأوروبية لتحركات النفط وعوائد السندات، إذ إن استمرار ارتفاع الأسعار قد يدفع البنوك المركزية إلى إبقاء السياسة النقدية أكثر تشدداً لفترة أطول.
الاقتصاد البريطاني ينمو بأكثر من المتوقع
وعلى الجانب الآخر، تلقى المستثمرون دعماً من بيانات الاقتصاد البريطاني، التي أظهرت استمرار النمو خلال الربع الثاني.
وارتفع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في بريطانيا بنسبة 0.4% خلال الربع الثاني من 2026، بعد نمو بلغ 0.6% في الربع الأول، وفق مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني. كما ارتفع الناتج المحلي للفرد بنسبة 0.4% خلال الربع الثاني، وبنسبة 1% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
وتشير أحدث البيانات أيضاً إلى نمو الناتج المحلي البريطاني بنسبة 0.4% خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في يوليو مقارنة بالأشهر الثلاثة السابقة، مدعوماً بشكل رئيسي بأداء قطاع الخدمات.
أسهم التعدين تتصدر مكاسب القطاعات الأوروبية
وعلى مستوى القطاعات، قادت أسهم شركات التعدين المكاسب في الأسواق الأوروبية، بدعم من ارتفاع أسهم شركات مثل بوليدن وريو تينتو، في حين تعرضت أسهم شركات الإعلام لضغوط.
وارتفع سهم جلينكور بنحو 1.4% بعدما حصلت الشركة على الموافقات اللازمة لمواصلة عملياتها في مشروع الفحم الحراري بمنطقة هانتر فالي الأسترالية حتى عام 2045، ما دعم أداء قطاع التعدين خلال تعاملات الأربعاء.
ماذا ينتظر المستثمرون في الأسهم الأوروبية؟
تتجه أنظار المستثمرين خلال الفترة المقبلة إلى بيانات التضخم الأوروبية وأسعار الطاقة وتحركات عوائد السندات، إلى جانب مسار الحرب في الشرق الأوسط وأي تطورات بشأن المحادثات الأميركية الإيرانية.
وتأتي هذه العوامل في وقت تحاول فيه الأسهم الأوروبية الحفاظ على مكاسبها طويلة الأجل، رغم الضغوط الناجمة عن ارتفاع تكاليف التمويل والطاقة. وكان مؤشر ستوكس 600 قد أظهر مرونة نسبية خلال الفترة الماضية بدعم من أرباح الشركات والتفاؤل المرتبط بالاستثمار في الذكاء الاصطناعي، لكن استمرار ارتفاع العوائد وأسعار الطاقة يمثلان اختباراً مهماً للأسواق مع بداية الربع الرابع من 2026.
ولفهم الصورة الأوسع لأداء البورصات خارج القارة، يمكن متابعة أسعار الأسهم العالمية اليوم والتعرف على أبرز تحركات الأسواق الدولية.