تتجه دولة قطر إلى طرح أدوات دين جديدة بآجال 5 و10 سنوات، في وقت تواجه فيه الأسواق الخليجية ضغوطًا متزايدة بفعل اضطرابات أسواق الطاقة وحركة الملاحة في مضيق هرمز.
وبحسب بيانات الطرح، حُدد التسعير الأولي لأجل 5 سنوات عند 5.67%، بينما بلغ 5.91% لأجل 10 سنوات، في خطوة توفر للحكومة القطرية أداة إضافية لتمويل احتياجاتها المالية في ظل بيئة إقليمية استثنائية.
ويأتي التحرك في وقت لا تزال فيه حركة الشحن عبر مضيق هرمز أقل بكثير من مستوياتها المعتادة. وأظهرت بيانات حديثة أن 17 سفينة للسلع الأولية فقط عبرت المضيق خلال عطلة نهاية الأسبوع، مقابل 37 سفينة في الأسبوع السابق، وبالمقارنة مع متوسط يقارب 125 سفينة يوميًا قبل اندلاع الحرب.
اضطرابات هرمز تضغط على صادرات الغاز
تواجه قطر تحديات مباشرة نتيجة اضطراب حركة الملاحة، باعتبارها من أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال في العالم، إذ يعتمد وصول جزء كبير من صادراتها إلى الأسواق العالمية على المرور عبر مضيق هرمز.
وفي تطور حديث، قال الرئيس التنفيذي لـقطر للطاقة سعد الكعبي إن إنتاج الشركة الحالي من الغاز الطبيعي المسال أصبح محدودًا جدًا، مشيرًا إلى أن الأزمة قد تؤدي أيضًا إلى تأخير بعض مشروعات التوسع بسبب صعوبات الحصول على المعدات اللازمة. ومن المقرر أن تبدأ توسعات حقل الشمال الشرقي في 2027، بينما يستهدف مشروع حقل الشمال الجنوبي بدء الإنتاج في 2028.
وكانت تداعيات الأزمة قد أدت بالفعل إلى تعطيل جزء من الطاقة الإنتاجية القطرية؛ إذ أفادت تقارير بأن نحو 17% من قدرة قطر على إنتاج الغاز الطبيعي المسال أصبحت خارج الخدمة بعد تعرض منشآت للتضرر، مع تقديرات بأن إصلاح بعض الأضرار قد يستغرق عدة سنوات.
ورغم ذلك، بدأت بعض شحنات الغاز في التحرك مجددًا عبر المنطقة، مع تسجيل عبور محدود لناقلات الغاز الطبيعي المسال، في حين لجأت شركات إلى عمليات نقل من سفينة إلى أخرى خارج المضيق للمساعدة في إيصال الشحنات إلى الأسواق الآسيوية.
قطر تعيد توجيه جزء من استثمارات صندوقها السيادي إلى الداخل
ويتزامن طرح أدوات الدين مع تحول اقتصادي آخر أعلنته الدوحة خلال اليومين الماضيين، يتمثل في إطلاق منصة «الدوحة للاستثمار» لإدارة وتنمية محفظة الاستثمارات المحلية التابعة لـجهاز قطر للاستثمار.
وأعلن رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني إطلاق المنصة خلال منتدى قطر الاقتصادي في نيويورك، موضحًا أن الهدف يتمثل في دعم المرحلة المقبلة من التنمية الاقتصادية وتوسيع مشاركة القطاع الخاص في قيادة النمو.
وستتولى المنصة في مرحلتها الأولى إدارة محفظة تضم 45 شركة مملوكة للدولة، تمثل نحو ثلث أصول جهاز قطر للاستثمار، الذي تقدر أصوله بنحو 580 مليار دولار وفق بيانات أوردتها رويترز. وتشمل أهداف المبادرة دعم الشركات الوطنية، ومساعدة الشركات الناشئة على التوسع، وتعزيز أسواق رأس المال، وجذب الاستثمارات والخبرات الأجنبية، إلى جانب دعم الخصخصة وزيادة دور القطاع الخاص.
ويعكس إطلاق المنصة توجهًا متزايدًا لدى الدوحة نحو توظيف جزء من قوة صندوقها السيادي في دعم الاقتصاد المحلي، بدلًا من التركيز بصورة أساسية على الاستثمارات الخارجية.
أدوات الدين تأتي وسط حاجة أكبر إلى تنويع مصادر التمويل
وتكتسب عملية إصدار أدوات الدين القطرية أهمية إضافية في ظل اعتماد المالية العامة للدولة بدرجة كبيرة على إيرادات قطاع الطاقة، في الوقت الذي أدت فيه اضطرابات صادرات الغاز إلى زيادة الضغوط على التدفقات التجارية والإيرادات المرتبطة بالطاقة.
كما أن ارتفاع تكلفة التمويل عالميًا وإقليميًا يجعل مستويات التسعير المعلنة للطرح الجديد مؤشرًا مهمًا على تكلفة الاقتراض السيادي في الأسواق الدولية، خصوصًا مع امتداد أجل أدوات الدين إلى 10 سنوات.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع استمرار اضطراب سوق الغاز الطبيعي المسال عالميًا؛ إذ تشير تقديرات حديثة إلى فقدان نحو 36 مليون طن من إمدادات الغاز الطبيعي المسال منذ بداية الاضطرابات، الأمر الذي دفع أسعار الغاز الفورية في آسيا إلى الارتفاع الحاد مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة.
وفي الوقت نفسه، لا تزال الأسواق العالمية تترقب تداعيات استمرار اضطراب هرمز على إمدادات الغاز قبل موسم الشتاء، خاصة مع انخفاض مخزونات الغاز الأوروبية وزيادة المنافسة على الشحنات المتاحة من المنتجين البديلين.
وبذلك، يأتي تحرك قطر في سوق الدين بالتوازي مع مسارين اقتصاديين؛ أولهما تأمين التمويل في ظل ظروف إقليمية ضاغطة، والثاني توسيع دور الاستثمار المحلي والقطاع الخاص لتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على عوائد الطاقة.