تتجه كوريا الجنوبية إلى إعادة رسم خريطة وارداتها من الطاقة، مع خطة لخفض اعتمادها على نفط الشرق الأوسط إلى 50% أو أقل بحلول عام 2035، مقارنة بنحو 70% من إجمالي وارداتها في 2025، في إطار استراتيجية طويلة الأجل لتعزيز أمن الإمدادات وتنويع مصادر الطاقة بعد الاضطرابات التي شهدتها المنطقة.
وأقرت الحكومة الكورية اليوم الأربعاء 23 سبتمبر 2026، أول خطة أساسية لأمن الموارد تمتد من 2026 إلى 2035، إلى جانب تعديلات على خطة احتياطيات النفط وخطط إدارة المعادن الحيوية، بهدف الحد من مخاطر انقطاع الإمدادات الناجمة عن الأزمات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الشحن.
كوريا الجنوبية تستهدف خفض واردات النفط من الشرق الأوسط
قالت وزارة التجارة والصناعة والموارد الكورية الجنوبية إن الخطة الجديدة تستهدف خفض حصة النفط الخام المستورد من منطقة الشرق الأوسط إلى 50% أو أقل بحلول 2035، بعدما بلغت نحو 70% في 2025، مع اعتماد جزء كبير من هذه الإمدادات على النقل عبر مضيق هرمز.
وترى الحكومة أن الاضطرابات التي أحدثها الصراع في الشرق الأوسط أظهرت الحاجة إلى تحول جوهري في سلاسل إمداد الطاقة، خصوصًا بالنسبة لاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على واردات الموارد الطبيعية.
وتأتي الخطوة في وقت تركز فيه سول على تنويع مصادر الخام وزيادة قدرتها على التعامل مع أي تعطلات مستقبلية في تدفقات النفط، بدل الاعتماد المكثف على منطقة واحدة كمصدر للإمدادات.
زيادة احتياطيات النفط 20 مليون برميل
ضمن الإجراءات الجديدة، تعتزم كوريا الجنوبية توسيع مرافق تخزين النفط بنحو 20 مليون برميل بحلول عام 2030، بما يعزز قدرتها على مواجهة الصدمات المفاجئة في الإمدادات والأسعار.
كما أقرت الحكومة تعديلات على خطة الاحتياطيات النفطية للفترة من 2026 إلى 2030، بالتوازي مع العمل على تنويع مصادر الخام المستورد من مناطق خارج الشرق الأوسط.
وتتجه الحكومة أيضًا إلى تقديم دعم لتقليص فجوة تكاليف الشحن التي تواجه واردات الخام من خارج الشرق الأوسط، في محاولة لتشجيع شركات التكرير على تسريع تنويع مصادرها. ووفق الخطة المعلنة، يمكن أن يصل دعم فروق تكاليف النقل إلى 100% خلال الفترة من سبتمبر إلى ديسمبر 2026.
نقص النفتا يدفع سول لتأمين إمدادات إضافية
لا يقتصر تأثير اضطرابات المنطقة على النفط الخام، إذ تواجه كوريا الجنوبية أيضًا ضغوطًا في سوق النفتا، وهي مادة أساسية لصناعة البتروكيماويات.
وتعتمد كوريا على الواردات لتلبية نحو 45% من احتياجاتها من النفتا، فيما يأتي نحو 77% من هذه الواردات عادةً من الشرق الأوسط، ما جعل اضطرابات الإمدادات في المنطقة تنعكس بصورة مباشرة على قطاع البتروكيماويات الكوري.
وبناءً على ذلك، تستهدف الحكومة تأمين كميات إضافية من المكثفات النفطية (Condensate)، وهي خامات خفيفة تستخدم بصورة رئيسية في إنتاج النفتا، لتعويض جزء من النقص وتنويع مصادر المواد الأولية للصناعة.
كوريا الجنوبية تستهدف خفض اعتمادها على غاز الشرق الأوسط
تمتد استراتيجية تنويع الإمدادات إلى الغاز الطبيعي أيضًا، إذ تستهدف سول خفض اعتمادها على واردات الغاز الطبيعي من الشرق الأوسط إلى أقل من 30% بحلول 2035.
ويأتي ذلك بعدما نجحت كوريا في خفض هذه النسبة إلى نحو 20% في 2025، ما يعكس توجهًا حكوميًا نحو تقليل تعرض سوق الطاقة المحلي لمخاطر اضطراب الإمدادات في المنطقة.
وفي هذا السياق، حذرت وكالة الطاقة الدولية مؤخرًا من الضغوط التي قد تواجهها أسواق الغاز الطبيعي المسال في آسيا مع استمرار اضطرابات الشرق الأوسط، خاصة إذا تصاعد التنافس بين المشترين الأوروبيين والآسيويين على شحنات الغاز خلال فصل الشتاء.
توسيع قائمة المعادن الحرجة إلى 51 نوعًا
لا تقتصر خطة أمن الموارد الجديدة على النفط والغاز، إذ قررت كوريا الجنوبية توسيع قائمة المعادن الحيوية التي تخضع لإدارة حكومية من 38 إلى 51 نوعًا.
وتشمل الإضافات الجديدة 10 عناصر من المعادن الأرضية النادرة والجرمانيوم، وهو معدن مهم لصناعات أشباه الموصلات، في خطوة تستهدف حماية سلاسل إمدادات الصناعات الاستراتيجية، خصوصًا الرقائق الإلكترونية والبطاريات.
كما سترفع الحكومة عدد المعادن التي تحتفظ باحتياطيات منها من 24 إلى 29 نوعًا، مع زيادة أهداف التخزين من 180 يومًا إلى مدة تصل إلى 365 يومًا لبعض المعادن الأكثر تعرضًا لمخاطر انقطاع الإمدادات.
استراتيجية جديدة لأمن الطاقة والموارد
وتعد خطة أمن الموارد للفترة 2026-2035 أول خطة حكومية شاملة وطويلة الأجل من هذا النوع منذ دخول قانون أمن الموارد الوطني الخاص حيز التنفيذ في فبراير 2025.
وتعكس الإجراءات الجديدة تحولًا في سياسة سول من التعامل مع أزمات الإمدادات بعد وقوعها إلى بناء منظومة أكثر تنوعًا للاحتياطيات ومصادر الاستيراد، تشمل النفط الخام والغاز الطبيعي والنفتا والمعادن الحيوية.
ويأتي ذلك في وقت تواصل فيه كوريا الجنوبية التحرك دبلوماسيًا لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمثل مسارًا حيويًا لواردات الطاقة الآسيوية. وكانت سول قد أكدت مؤخرًا استعدادها للمساعدة في استعادة حرية المرور عبر المضيق، مع تأكيد الرئيس لي جاي ميونغ أن بلاده لا تعتزم الانخراط عسكريًا في الصراع بالشرق الأوسط، بينما تدرس إجراءات لحماية مصالحها التجارية والملاحية.
وبذلك، تراهن كوريا الجنوبية خلال السنوات المقبلة على مزيج من تنويع موردي النفط والغاز، وزيادة المخزونات الاستراتيجية، وتأمين المواد الخام للبتروكيماويات، وتوسيع احتياطيات المعادن الحيوية لتقليل تعرض اقتصادها للصدمات الجيوسياسية وتعطلات سلاسل الإمداد العالمية.