تتجه أنظار الأسواق العالمية إلى واشنطن هذا الأسبوع، حيث يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ في 24 سبتمبر/أيلول، وسط تحولات واضحة في حركة التجارة العالمية وتواصل نمو الصادرات الصينية رغم القيود والرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب.
وتأتي القمة بعد محادثات تمهيدية عقدها وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت ونائب رئيس الوزراء الصيني خه لي فنغ في نيويورك، وتركزت على التجارة والذكاء الاصطناعي وقضايا اقتصادية أخرى، مع بحث آليات يمكن أن تمهد لاتفاقات محدودة قبل اجتماع الرئيسين.
التجارة الصينية تحقق نموًا قويًا رغم الضغوط الأميركية
أظهرت أحدث البيانات الصادرة عن المكتب الوطني للإحصاء في الصين أن قيمة تجارة السلع خلال أغسطس/آب بلغت نحو 4.65 تريليون يوان، بزيادة 19.8% على أساس سنوي.
وسجلت الصادرات خلال الشهر نحو 2.73 تريليون يوان، مرتفعة 18.6%، في حين زادت الواردات 21.7% إلى نحو 1.92 تريليون يوان.
وعلى مستوى الأشهر الثمانية الأولى من 2026، ارتفع إجمالي التجارة الصينية بنسبة 17.6% إلى نحو 34.78 تريليون يوان، بينما زادت الصادرات 14.6% والواردات 22% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. كما ارتفعت صادرات المنتجات الميكانيكية والكهربائية بنسبة 21.9%.
وتشير هذه الأرقام إلى أن التجارة الخارجية الصينية لا تزال تحقق معدلات نمو مرتفعة، حتى مع استمرار الخلافات التجارية مع الولايات المتحدة ومحاولات واشنطن الحد من تدفق بعض المنتجات الصينية إلى السوق الأميركية.
وفي أغسطس أيضًا، ارتفعت قيمة تسليمات التصدير لدى الشركات الصناعية الصينية الكبرى بنسبة 11.1% على أساس سنوي، بينما نما قطاع الصناعات التحويلية بنسبة 6.1%، وقفز إنتاج الصناعات عالية التقنية بنسبة 16.7%.
الصين توسع أسواقها خارج الولايات المتحدة
لم يعد أداء التجارة الصينية مرتبطًا بالسوق الأميركية وحدها، إذ ساعد توسع العلاقات التجارية مع الأسواق الناشئة وشركاء “الحزام والطريق” في دعم الصادرات.
وخلال الفترة من يناير إلى أغسطس، ارتفعت تجارة الصين مع دول رابطة آسيان بنسبة 20.6%، ومع أفريقيا بنسبة 18.5%، ومع أميركا اللاتينية بنسبة 14.5%، بينما زادت التجارة مع دول مبادرة الحزام والطريق بنسبة 15.9%.
كما سجلت صادرات السيارات الصينية خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام نموًا بلغ 47.1%، في حين حققت صادرات الخوادم والوحدات الضوئية والمكونات الإلكترونية نموًا من خانتين، بحسب بيانات المكتب الوطني للإحصاء الصيني.
وتأتي هذه الأرقام في وقت تواجه فيه الصين تباطؤًا في الطلب المحلي وأزمة ممتدة في قطاع العقارات، ما يجعل أداء التجارة الخارجية أحد المحركات الرئيسية للنشاط الصناعي.
قمة ترامب وشي تبحث تمديد الهدنة التجارية
على الرغم من اتساع الملفات الخلافية بين واشنطن وبكين، من المنتظر أن يكون مستقبل التفاهم التجاري المؤقت محورًا أساسيًا في لقاء ترامب وشي.
وكانت الولايات المتحدة والصين قد توصلتا إلى تفاهمات خففت جزءًا من الرسوم والقيود التجارية، فيما تقترب فترة تعليق بعض الإجراءات من موعد انتهائها في نوفمبر/تشرين الثاني.
ونقلت رويترز عن مصادر ومحللين أن الهدف الأساسي من قمة 24 سبتمبر قد لا يكون التوصل إلى اتفاق تجاري شامل، وإنما الحفاظ على الاستقرار في العلاقات الاقتصادية ومنح المفاوضات مساحة زمنية إضافية.
وفي نيويورك، ناقش بيسنت وخه لي فنغ خلال المحادثات السابقة للقمة ملفات التجارة والذكاء الاصطناعي، فيما أشارت تقارير إلى بحث التعامل مع بعض السلع غير الحساسة بطريقة مختلفة، في محاولة لتقليل نقاط الاحتكاك التجاري بين البلدين.
الذكاء الاصطناعي يدخل مفاوضات واشنطن وبكين
لم تعد المباحثات الأميركية الصينية تقتصر على الرسوم الجمركية والسلع، إذ أصبح الذكاء الاصطناعي أحد الملفات الجديدة على جدول العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية.
وكشفت المحادثات الأخيرة عن مناقشة آلية لإخطار كل طرف الآخر بحوادث الذكاء الاصطناعي التي قد تحمل مخاطر على الأمن القومي، في خطوة تستهدف تعزيز التواصل بين أكبر قوتين في مجال تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وتأتي هذه المناقشات في ظل استمرار القيود الأميركية على وصول الشركات الصينية إلى بعض التقنيات والرقائق المتقدمة، مقابل سعي بكين إلى تطوير قدراتها المحلية في مجال الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة.
ومن شأن إدخال الذكاء الاصطناعي إلى أجندة القمة أن يوسع نطاق التفاوض من الرسوم التجارية إلى قضايا التكنولوجيا والأمن وسلاسل الإمداد المستقبلية.
تايوان والمواد الحيوية تضيفان ملفات حساسة إلى القمة
إلى جانب التجارة والتكنولوجيا، من المتوقع أن تحضر قضية تايوان في محادثات ترامب وشي، باعتبارها واحدة من أكثر الملفات حساسية في العلاقات بين واشنطن وبكين.
وكان ترامب قد تحدث عن حزمة أسلحة أميركية محتملة لتايوان بقيمة 14 مليار دولار، بينما تؤكد بكين موقفها الرافض لأي خطوات تعتبرها دعمًا لاستقلال الجزيرة.
وتتداخل القضية مع ملفات اقتصادية أخرى يمكن أن تستخدم في المفاوضات، من بينها مشتريات الصين من المنتجات الزراعية الأميركية وطائرات بوينغ، إضافة إلى الجهود الأميركية للحد من وصول المواد الكيميائية التي تستخدم في تصنيع الفنتانيل.
ويرى محللون أن طبيعة المفاوضات بين البلدين أصبحت أكثر ارتباطًا بتبادل المصالح في ملفات متعددة، بدلًا من فصل القضايا التجارية عن الخلافات الاستراتيجية.
إيران تضيف بُعدًا جيوسياسيًا إلى محادثات ترامب وشي
من الملفات التي قد تطرح نفسها أيضًا على هامش القمة العلاقة الصينية الإيرانية، خصوصًا في ظل سعي واشنطن إلى ممارسة ضغوط اقتصادية على طهران.
وتنظر الإدارة الأميركية إلى بكين باعتبارها طرفًا يتمتع بعلاقات تجارية واسعة مع إيران، بينما لم تُظهر الصين حتى الآن استعدادًا واضحًا لتبني الدور الذي تطلبه واشنطن في هذا الملف.
وكانت رويترز قد أفادت في وقت سابق من سبتمبر بأن الصين تواصل بيع سلع لإيران بمليارات الدولارات، بينما نفت وزارة الخارجية الصينية علمها بوجود آلية مخصصة للالتفاف على العقوبات.
ويضيف هذا الملف تعقيدًا جديدًا إلى القمة، خصوصًا أن واشنطن تحاول التعامل مع إيران بالتزامن مع إعادة ترتيب علاقاتها التجارية والاستراتيجية مع بكين.
ماذا تعني القمة للأسواق العالمية؟
تأتي قمة ترامب وشي في وقت أصبحت فيه التجارة الصينية عاملًا مهمًا في حركة الاقتصاد العالمي، خصوصًا مع استمرار نمو صادرات الصين وتوسعها في أسواق خارج الولايات المتحدة.
وبحسب بيانات الصين، ارتفعت صادرات المنتجات الميكانيكية والكهربائية بقوة خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام، بينما حافظ قطاع الصناعات عالية التقنية على معدلات نمو مرتفعة، ما يعكس انتقال جزء متزايد من القوة التصديرية الصينية نحو المنتجات ذات القيمة التقنية الأعلى.
وفي المقابل، فإن أي تمديد للهدنة التجارية أو اتفاقات جديدة بشأن الرسوم والقيود على التكنولوجيا قد ينعكس على حركة سلاسل الإمداد وتكاليف التجارة العالمية، في حين أن عودة التصعيد الجمركي قد تزيد حالة عدم اليقين بالنسبة للشركات والمستثمرين.
لذلك تتركز أهمية اجتماع 24 سبتمبر على ما إذا كان ترامب وشي سيتمكنان من الحفاظ على مسار التهدئة التجارية، بالتوازي مع إدارة الخلافات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي وتايوان وإيران والتكنولوجيا.