ثبّتت وكالة ستاندرد آند بورز التصنيف الائتماني السيادي للسعودية عند A+ للمدى الطويل وA-1 للمدى القصير، مع نظرة مستقبلية مستقرة، مستندةً إلى قوة الأصول الحكومية ومرونة قطاع الطاقة وتوسع الأنشطة غير النفطية.
ويأتي القرار وسط توترات جيوسياسية تضغط على أسواق الطاقة والاقتصادات الإقليمية، فيما ترى الوكالة أن استمرار الإصلاحات الاقتصادية وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق يدعمان قدرة المملكة على مواجهة هذه الضغوط.
الاقتصاد السعودي أمام عامين متباينين
ترسم توقعات ستاندرد آند بورز مسارًا لافتًا للاقتصاد السعودي خلال السنوات المقبلة؛ إذ تتوقع انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 0.9% في 2026، قبل أن يتحول إلى نمو قوي يبلغ 8.2% في 2027.
وترتبط القفزة المتوقعة في النمو بشكل أساسي بزيادة إنتاج النفط، بينما تشير تقديرات الوكالة إلى استمرار النمو بوتيرة أكثر اعتدالًا خلال عامي 2028 و2029 بمتوسط 3.3%.
وبذلك، لا ترى الوكالة أن التراجع المتوقع في 2026 يمثل تحولًا طويل الأجل في مسار الاقتصاد السعودي، وإنما مرحلة مؤقتة تسبق عودة النمو مع تحسن إنتاج النفط.
مرونة قطاع الطاقة تقلل مخاطر اضطرابات المنطقة
ومن بين العناصر التي دعمت تقييم الوكالة للمملكة قدرة السعودية على استخدام مسارات بديلة لتصدير الطاقة.
ففي ظل الاضطرابات التي تؤثر على حركة الشحن عبر المنطقة، يمكن للمملكة الاعتماد على خط أنابيب الشرق-الغرب لنقل النفط والمنتجات الهيدروكربونية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.
ويمتد الخط لنحو 1200 كيلومتر، فيما تبلغ طاقته الاستيعابية قرابة 7 ملايين برميل يوميًا بعد أعمال التطوير.
وتشير بيانات منظمة أوبك إلى أن صادرات السعودية النفطية سجلت متوسطًا قدره 6.9 مليون برميل يوميًا بين مارس وأغسطس، رغم تداعيات الصراع الإقليمي.
وتعني هذه القدرة على إعادة توجيه تدفقات الطاقة أن المملكة تمتلك هامشًا من المرونة في التعامل مع اضطرابات طرق التصدير، وهو ما يمثل عاملًا مهمًا في تقييم قدرتها الائتمانية.
70% من الاقتصاد يأتي من الأنشطة غير النفطية
ولا يعتمد تقييم الاقتصاد السعودي على قطاع النفط وحده؛ إذ تشير بيانات الوكالة إلى أن الأنشطة غير النفطية، بما فيها الأنشطة الحكومية، أصبحت تمثل نحو 70% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ65% في 2018.
ويعكس هذا التطور اتساع مساهمة القطاعات غير النفطية في الاقتصاد خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع استمرار الإنفاق الاستهلاكي والإيرادات غير النفطية.
وترى ستاندرد آند بورز أن استمرار الإصلاحات الهيكلية يمكن أن يمنح هذه الأنشطة مساحة أكبر للمساهمة في النمو، حتى مع تعرض الاقتصاد لتقلبات أسعار وإنتاج النفط.
عجز الميزانية يظل نقطة رئيسية في التقييم
في المقابل، تظل المالية العامة أحد الملفات التي تراقبها وكالة التصنيف عن كثب.
وتتوقع ستاندرد آند بورز وصول عجز الميزانية السعودية إلى 5.8% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، قبل أن ينخفض متوسط العجز إلى 3.4% خلال الفترة من 2027 إلى 2029.
وتأتي هذه التوقعات في ظل تسجيل الميزانية عجزًا قدره 160 مليار ريال خلال النصف الأول من العام، بعد وصول الإيرادات إلى 599.8 مليار ريال، مقابل مصروفات بلغت نحو 759.8 مليار ريال.
كما بلغ الدين العام للمملكة نحو 1.685 تريليون ريال بنهاية يونيو.
إعادة ترتيب الإنفاق ضمن رؤية 2030
وترى الوكالة أن إدارة وتيرة الإنفاق الاستثماري ستكون عاملًا أساسيًا في الحفاظ على التوازن بين طموحات رؤية السعودية 2030 ومتطلبات الاستدامة المالية.
وفي هذا الإطار، تشير ستاندرد آند بورز إلى استمرار الحكومة وصندوق الاستثمارات العامة في إعادة ترتيب أولويات تنفيذ المشروعات، بما يسمح بتوجيه الموارد نحو المشاريع الأكثر أهمية مع الحد من الضغوط على الميزانية.
ومن شأن هذا النهج، وفق تقييم الوكالة، أن يساعد في احتواء العجز وتقليل سرعة تراكم الدين الحكومي، دون التخلي عن الأهداف الرئيسية لبرنامج التحول الاقتصادي.
الاحتياطيات والأصول الحكومية تدعم التصنيف
وتبرز كذلك قوة المركز المالي للمملكة كأحد العوامل التي ساعدت في تثبيت التصنيف.
وتعتبر ستاندرد آند بورز أن صافي أصول الحكومة العامة يمثل مصدر قوة رئيسيًا، إلى جانب وصول احتياطيات النقد الأجنبي إلى أعلى مستوياتها منذ بداية عام 2020.
وتمنح هذه الأصول والاحتياطيات المملكة مساحة أكبر للتعامل مع الصدمات الخارجية وتمويل احتياجاتها المالية، وهو ما يساهم في دعم النظرة المستقرة للتصنيف.
ماذا يعني تثبيت تصنيف السعودية؟
يعني الإبقاء على تصنيف المملكة عند A+/A-1 أن الوكالة لا ترى في الوقت الحالي عوامل تستدعي تغيير تقييمها للجدارة الائتمانية السيادية.
ويجمع تقييم ستاندرد آند بورز بين عدة عناصر؛ أبرزها قوة الأصول الحكومية، ومرونة قطاع الطاقة، واتساع الاقتصاد غير النفطي، إلى جانب قدرة الحكومة على تعديل أولويات الإنفاق عند الحاجة.
وبينما يظل العجز والدين وتذبذب إنتاج النفط من الملفات التي تحتاج إلى مراقبة، فإن توقعات الوكالة تشير في الوقت نفسه إلى تحسن قوي في النمو خلال 2027، واستمرار توسع قاعدة الاقتصاد السعودي خارج قطاع النفط.