سجلت حركة الملاحة التجارية عبر مضيق هرمز تراجعًا حادًا خلال تعاملات الأربعاء، في أحدث مؤشر على استمرار اضطراب أحد أهم ممرات الطاقة العالمية، بالتزامن مع تصاعد التوترات العسكرية في منطقة الخليج والبحر الأحمر.
وأظهرت بيانات أولية لتتبع السفن أن 3 سفن تجارية فقط عبرت المضيق الأربعاء 16 سبتمبر 2026، مقابل 12 سفينة في اليوم السابق، فيما جاء الرقم دون متوسط الأيام العشرة الماضية البالغ نحو 17 سفينة، وفق بيانات نقلتها رويترز.
3 سفن فقط تعبر مضيق هرمز
تكشف تفاصيل حركة الملاحة أن السفن الثلاث لم تستخدم جميعها المسارات التقليدية؛ إذ دخلت سفينة بضائع سائبة من طراز Supramax عبر مسار إيراني، بينما دخلت ناقلة منتجات نفطية وخرجت ناقلة من طراز Panamax باستخدام ما يعرف بـ”المسارات المظلمة”، أي مع تعطيل أنظمة التعريف الآلي AIS.
وتعني هذه البيانات أن العدد الفعلي للسفن قد يكون أعلى من الأرقام المرصودة، إذ يمكن للسفن التي تغلق أجهزة التتبع أن تعبر المضيق دون ظهورها في بيانات الرصد المعتادة.
ولا يقتصر التراجع على مضيق هرمز؛ فقد انخفضت حركة السفن أيضًا عبر باب المندب، مع تسجيل 21 عملية عبور مقابل 24 في اليوم السابق، ما يعكس اتساع الضغوط على طرق شحن الطاقة في المنطقة.
تدفقات النفط لا تتحرك بالوتيرة نفسها
رغم الانخفاض الكبير في أعداد السفن المرصودة، قال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت إن نحو 18 مليون برميل من النفط والمنتجات النفطية خرجت من الخليج يوم الثلاثاء، واصفًا المستوى بأنه قريب من مستويات ما قبل الصراع.
كما أشار رايت إلى أن متوسط التدفقات خلال سبعة أيام بلغ نحو 11 مليون برميل يوميًا، وفق ما نقلته رويترز.
ويبرز هنا اختلاف مهم بين عدد السفن المرصودة وحجم النفط الذي يمكن أن يتحرك فعليًا؛ إذ تستطيع ناقلات النفط العملاقة نقل كميات ضخمة في رحلة واحدة، كما أن بعض الشحنات قد لا تظهر في أنظمة التتبع بسبب إيقاف أجهزة AIS. لذلك لا يمكن اعتبار انخفاض عدد السفن المرصودة وحده مقياسًا مباشرًا لحجم صادرات النفط اليومية.
لماذا يراقب المستثمرون مضيق هرمز؟
يمثل المضيق نقطة اختناق رئيسية لتجارة الطاقة العالمية. وتقدر وكالة الطاقة الدولية أن نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمنتجات النفطية كانت تمر عبره في 2025، بما يعادل نحو 25% من تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا.
وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن تدفقات النفط عبر المضيق بلغت في المتوسط 20.9 مليون برميل يوميًا خلال النصف الأول من 2025، قبل أن تهبط بشكل كبير خلال 2026 مع استمرار الاضطرابات.
ولهذا فإن أي تراجع مستمر في حركة الملاحة يمكن أن ينعكس على تكاليف الشحن، وتوافر الخام، وأسعار المشتقات النفطية، خصوصًا إذا استمرت الاضطرابات في الوقت نفسه عبر باب المندب.
مسارات بديلة تخفف جزءًا من ضغوط الإمدادات
في تطور جديد، اتجهت السعودية إلى زيادة شحنات الخام المتجهة إلى المصافي الآسيوية عبر سلطنة عُمان، في محاولة لتعويض جزء من تأثير الاضطرابات التي طالت صادراتها من ميناء ينبع على البحر الأحمر.
وساعدت هذه الخطوة على تهدئة بعض المخاوف في سوق النفط، لكنها لا تعوض بالكامل الكميات المتأثرة، وفق رويترز.
وتوفر خطوط الأنابيب في السعودية والإمارات بدائل جزئية لمضيق هرمز، إلا أن طاقتها لا تكفي لاستبدال كامل التدفقات البحرية التي تمر عبر الممر المائي. وكانت إدارة معلومات الطاقة الأميركية قد قدرت الطاقة المتاحة لبعض خطوط الالتفاف بنحو 4.7 مليون برميل يوميًا في السابق.
النفط يتراجع رغم استمرار مخاطر الملاحة
انعكست مؤشرات تحسن بعض مسارات الإمدادات على أسعار النفط في تعاملات الخميس، إذ واصلت العقود الآجلة خسائر الجلسة السابقة.
وبحسب رويترز، تراجع خام برنت إلى نحو 105.64 دولار للبرميل، بينما انخفض خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى قرابة 102.10 دولار، بعد أن خسر الخامان نحو 3 دولارات في جلسة الأربعاء.
ويعني ذلك أن السوق تتعامل حاليًا مع عاملين متعارضين: من جهة، استمرار المخاطر الجيوسياسية وانخفاض حركة السفن في مضيق هرمز وباب المندب، ومن جهة أخرى، وجود محاولات لزيادة تدفقات النفط عبر مسارات بديلة، وهو ما يخفف بعض الضغوط الفورية على الأسعار.
ماذا يعني انخفاض عبور السفن لأسواق النفط؟
لا يعني هبوط عدد السفن العابرة للمضيق إلى 3 بالضرورة توقف صادرات النفط، لكنه يؤكد استمرار اضطراب حركة التجارة البحرية وارتفاع حساسية سوق الطاقة لأي تطور عسكري أو لوجستي جديد.
وتشير أحدث توقعات إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن تدفقات النفط من الشرق الأوسط قد تتحسن تدريجيًا مع زيادة حركة الناقلات عبر مضيق هرمز واستخدام طرق بديلة، لكنها تتوقع في الوقت نفسه استمرار بعض القيود على صادرات المنطقة حتى نهاية 2026.
وبالتالي، ستظل حركة الناقلات عبر هرمز، وتدفقات النفط الفعلية، وقدرة المنتجين على استخدام المسارات البديلة، من أبرز المؤشرات التي تراقبها الأسواق خلال الفترة المقبلة.