تراجعت حركة السفن التجارية عبر مضيق هرمز بصورة حادة مع استمرار التوترات العسكرية في المنطقة، إذ أظهرت أحدث بيانات الشحن عبور 12 سفينة سلع أولية فقط خلال عطلة نهاية الأسبوع، مقارنة بـ35 سفينة في عطلة نهاية الأسبوع السابقة، في مؤشر جديد على صعوبة حركة التجارة عبر أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
حركة الملاحة في هرمز تتراجع بشدة
تكشف بيانات شركة Kpler أن حركة الملاحة التي يمكن تتبعها عبر المضيق أصبحت محدودة للغاية، رغم استمرار بعض ناقلات النفط في العبور مع إيقاف أجهزة الإرسال والاستقبال، ما يجعل رصد الحركة الفعلية للسفن أكثر صعوبة.
وخلال يوم الأحد، غادرت المضيق 4 سفن قابلة للتتبع، بينها ناقلتان تحملان منتجات نفطية مكررة، إلى جانب سفينتين فارغتين لنقل البضائع السائبة والغاز، فيما دخلت ناقلتان صغيرتان للنفط إلى الخليج.
وفي اليوم السابق، غادرت 5 سفن الخليج محملة بسلع زراعية وغاز بترول مسال وأسمدة، بينما دخلت ناقلة غاز عملاقة فارغة إلى المنطقة.
وتوضح هذه الأرقام حجم التغير في حركة الملاحة مقارنة بالفترة التي سبقت اندلاع الحرب في 28 فبراير 2026، عندما كان المضيق يستقبل ويمر عبره نحو 125 سفينة تجارية كبيرة يوميًا، تشمل ناقلات النفط والغاز وسفن البضائع السائبة والحاويات.
النفط يواصل العبور رغم انخفاض حركة السفن
ورغم الانخفاض الكبير في عدد السفن الظاهرة على أنظمة التتبع، لا تعني البيانات توقف صادرات النفط من منطقة الخليج. فقد واصلت بعض الناقلات نقل الخام مع إغلاق أجهزة التتبع، بينما اتجه منتجون إقليميون إلى حلول لوجستية بديلة لتقليل مخاطر المرور المباشر بالمضيق.
وتشير أحدث بيانات Kpler إلى أن صادرات النفط عبر مضيق هرمز وصلت إلى نحو 6.5 مليون برميل يوميًا خلال سبتمبر، وهو أعلى مستوى منذ الارتفاع المؤقت الذي أعقب وقف إطلاق النار في يونيو.
وفي تطور لافت، ارتفعت صادرات السعودية من الخام إلى أكثر من 4 ملايين برميل يوميًا خلال سبتمبر، بعدما هبطت إلى 2.4 مليون برميل يوميًا في أغسطس، وهو أدنى مستوى لها منذ عام 2013 على الأقل، وفق بيانات Kpler الأولية. وجاءت الزيادة مع اضطرار المملكة إلى تعزيز صادراتها عبر الخليج بعد تعرض خط أنابيب الشرق-الغرب لهجمات.
34 مليون برميل غادرت المضيق خلال أسبوع
وأظهرت بيانات Kpler أن 18 ناقلة، معظمها ناقلات عملاقة جدًا للخام، غادرت مضيق هرمز خلال الأسبوع المنتهي في 13 سبتمبر، محملة بنحو 34 مليون برميل من النفط الخام.
واستحوذت السعودية على نحو 50% من الكميات الخارجة خلال تلك الفترة، بينما مثل العراق نحو 35%، ما يعكس استمرار تدفق جزء مهم من صادرات المنطقة رغم الاضطرابات التي تعرقل حركة الشحن التقليدية.
كما أشار محللو JPMorgan في مذكرة بتاريخ 18 سبتمبر إلى أن تدفقات النفط من الشرق الأوسط ظلت قوية بصورة مفاجئة، إذ بلغ متوسط التدفقات 17.1 مليون برميل يوميًا خلال الأيام العشرة السابقة، أي أقل بنحو 6.1 مليون برميل يوميًا فقط من متوسط عام 2025.
السعودية تعيد توجيه صادراتها عبر مسارات بحرية بديلة
دفعت الهجمات التي استهدفت خط أنابيب الشرق-الغرب السعودي إلى إعادة ترتيب مسارات تصدير الخام. وأفادت Reuters بأن شركة أرامكو السعودية بدأت زيادة استخدام عمليات النقل من سفينة إلى أخرى قبالة ميناء صحار العُماني، بما يسمح بنقل الخام إلى سفن أخرى خارج نطاق مضيق هرمز ثم شحنه إلى المشترين الآسيويين.
وتوسعت عمليات النقل بين السفن Ship-to-Ship (STS) في خليج عُمان خلال سبتمبر، إذ تتوقع بيانات Kpler تحميل نحو 2.5 مليون برميل يوميًا عبر هذه العمليات خلال الشهر، مقابل 1.4 مليون برميل يوميًا في أغسطس، بما يعادل نحو 40% من الكميات التي تتحرك حاليًا عبر مضيق هرمز.
لكن هذا المسار البديل يأتي بتكلفة مرتفعة؛ إذ تجاوزت أسعار شحن ناقلات النفط العملاقة 30 دولارًا للبرميل على بعض المسارات، مقارنة بنحو 2% إلى 3% من تكلفة الخام قبل الحرب، بحسب بيانات LSEG التي أوردتها Reuters.
أهمية مضيق هرمز تتجاوز تجارة النفط
ولا تقتصر تداعيات اضطراب الملاحة في المضيق على سوق الخام، إذ يمثل هرمز أيضًا مسارًا رئيسيًا لتجارة الغاز الطبيعي المسال.
وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية EIA إلى أن المضيق شهد خلال النصف الأول من 2025 مرور متوسط بلغ 20.9 مليون برميل يوميًا من النفط، أي ما يعادل نحو 20% من استهلاك السوائل النفطية عالميًا، إلى جانب تدفقات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال.
وتظهر أحدث بيانات EIA المتاحة لعام 2026 حجم التراجع بصورة أوضح؛ فقد انخفض متوسط تدفقات النفط عبر المضيق إلى 4.9 مليون برميل يوميًا في الربع الثاني من 2026، مقارنة بـ21 مليون برميل يوميًا في الربع الثاني من 2025، بينما هبطت تدفقات الغاز الطبيعي المسال إلى 0.8 مليار قدم مكعبة يوميًا مقابل 11 مليار قدم مكعبة يوميًا في الفترة المقارنة.
كما اضطرت شركات الطاقة إلى استخدام عمليات نقل نادرة للغاز الطبيعي المسال بين السفن خارج المضيق، مع تنفيذ شحنات قطرية وإماراتية بهذه الطريقة لضمان وصولها إلى أسواق آسيوية مثل الهند واليابان.
اضطراب هرمز يرفع تكلفة التجارة العالمية
يمتد تأثير انخفاض حركة السفن إلى قطاعات التجارة والنقل والتأمين، وليس فقط إلى أسواق الطاقة. وتشير تقارير حديثة إلى أن حركة سفن الحاويات عبر المضيق تراجعت بصورة كبيرة، في وقت ارتفعت فيه تكاليف الشحن والتأمين واضطرت بعض الشركات إلى استخدام موانئ ومسارات بديلة.
وفي الوقت نفسه، يزيد تداخل أزمة هرمز مع الاضطرابات في باب المندب والبحر الأحمر من صعوبة إيجاد بدائل مستقرة لصادرات الخليج. وقد أدى استمرار المخاطر في هذه المسارات إلى اعتماد شركات النفط على مزيج من النقل المباشر، والتحويل بين السفن، والممرات البديلة، وهو ما يرفع تكلفة وصول الخام والمنتجات النفطية إلى المستهلكين النهائيين.
صورة متناقضة لسوق الطاقة
وتكشف التطورات الأخيرة عن مفارقة في سوق الطاقة: حركة السفن المرئية عبر مضيق هرمز وصلت إلى مستويات متدنية جدًا، لكن تدفقات النفط لم تتوقف بالكامل.
ففي حين تشير بيانات الشحن إلى عبور 12 سفينة فقط خلال عطلة نهاية الأسبوع، قال قائد القيادة المركزية الأميركية إن أحجام النفط والغاز الطبيعي المسال والبضائع التي تحركت عبر المضيق خلال الأسبوعين السابقين كانت عند أعلى مستوى في ستة أشهر. إلا أن Reuters أشارت إلى صعوبة التحقق من هذه التقديرات بسبب قيام بعض السفن بإيقاف أجهزة التتبع أثناء العبور.
وبالتالي، فإن المؤشر الأهم خلال المرحلة المقبلة لن يكون عدد السفن الظاهرة فقط، وإنما حجم النفط والغاز الذي ينجح المنتجون في إخراجه من الخليج، وتكلفة هذه العمليات، ومدى استمرار المسارات البديلة في تعويض القيود المفروضة على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.