الكويت تُقر الصكوك الحكومية رسميًا ضمن منظومة أدوات التمويل السيادي، بعد صدور مرسوم بقانون رقم 90 لسنة 2026، في خطوة تمنح الحكومة قناة جديدة لتمويل احتياجاتها وإدارة الدين إلى جانب السندات التقليدية، وتفتح المجال أمام توسيع قاعدة المستثمرين محليًا ودوليًا.
ونُشر التشريع الجديد في العدد 1809 من الجريدة الرسمية «الكويت اليوم» بتاريخ 20 سبتمبر 2026، ويتكون من 35 مادة تضع إطارًا قانونيًا متكاملًا لإصدار الصكوك الحكومية وطرحها وإدارتها وتداولها.
وقال وزير المالية الكويتي يعقوب الرفاعي إن القانون يوسّع الأدوات التمويلية المتاحة للدولة، بإضافة أداة متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية إلى هيكل التمويل السيادي، بما يدعم تنويع مصادر التمويل وقاعدة المستثمرين في الأسواق المحلية والعالمية.
ماذا يضيف قانون الصكوك الحكومية إلى الكويت؟
لا يقتصر التشريع الجديد على السماح بإصدار الصكوك، وإنما ينشئ إطارًا متكاملًا لتنظيم دورة الإصدار، بدءًا من تحديد الأصول التي يمكن أن تستند إليها الصكوك، مرورًا بالاكتتاب والتخصيص، وصولًا إلى الإدارة والتداول.
وبموجب القانون، يمكن إصدار الصكوك بالدينار الكويتي أو بالعملات الأجنبية، وطرحها في اكتتاب عام أو خاص، مع إمكانية إدراجها في أسواق المال المحلية أو الأجنبية بعد موافقة وزير المالية.
كما يسمح الإطار التشريعي بمشاركة الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين في الاكتتاب، بما في ذلك غير الكويتيين، مع إمكانية تخصيص بعض الإصدارات للمواطنين الكويتيين فقط وفقًا لما تحدده نشرة كل إصدار.
وتشمل الهياكل المسموح بها أنواعًا من الصكوك مثل السلم والاستصناع والمشاركة والمضاربة، فيما يمكن أن تستند الإصدارات إلى موجودات خاصة مملوكة للدولة، وفق الضوابط التي يحددها القانون.
الصكوك مكملة للسندات وليست بديلًا عنها
ويأتي إدخال الصكوك في إطار أوسع لإعادة بناء سوق الدين الكويتي، وليس باعتباره تحولًا كاملًا بعيدًا عن السندات التقليدية.
وكانت الكويت قد أصدرت في مارس 2025 المرسوم بقانون رقم 60 لسنة 2025 بشأن التمويل والسيولة، الذي وضع سقفًا للدين العام عند 30 مليار دينار كويتي، وأتاح إصدار أدوات مالية بآجال تصل إلى 50 عامًا.
ومن ثم، يوفر قانون الصكوك للحكومة أداة إضافية يمكن استخدامها بالتوازي مع السندات، بما يسمح بتحديد نوع الأداة وحجم الإصدار وتوقيته وفق احتياجات المالية العامة وظروف أسواق رأس المال.
الكويت تعزز حضورها في أسواق الدين الدولية
جاء إقرار قانون الصكوك بعد عودة الكويت بقوة إلى سوق الدين العالمي خلال 2025 و2026. وفي يوليو 2026، جمعت الكويت 6 مليارات دولار من إصدار سيادي مقسم إلى ثلاث شرائح:
- 3 مليارات دولار لأجل 3 سنوات.
- 1.5 مليار دولار لأجل 5 سنوات.
- 1.5 مليار دولار لأجل 10 سنوات.
وتجاوزت طلبات المستثمرين 18 مليار دولار، أي أكثر من ثلاثة أضعاف قيمة الإصدار، فيما جاءت فروق التسعير النهائية عند 70 و75 و85 نقطة أساس فوق سندات الخزانة الأميركية المماثلة للشرائح الثلاث.
كما انخفض التسعير النهائي بنحو 25 نقطة أساس مقارنة بالتوجيهات الأولية، بحسب مستشاري الصفقة، وهو ما يعكس قوة الطلب على أدوات الدين السيادية الكويتية في تلك العملية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بعدما عادت الكويت إلى أسواق الدين الدولية في 2025 عقب غياب استمر سنوات، بعد إقرار الإطار التشريعي الذي أعاد السماح بالاقتراض الحكومي.
الصكوك قد تدعم بناء سوق دين إسلامي محلي
يرتبط التشريع الجديد أيضًا بهدف أوسع يتمثل في تعميق سوق رأس المال المحلي.
وأشار صندوق النقد الدولي في تقريره عن الكويت إلى أن سوق الدين بالعملة المحلية لا يزال في مرحلة مبكرة؛ إذ بلغت السندات المحلية الخاصة والسيادية القائمة نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024. كما أشار إلى أن توقف إصدار الدين الحكومي لفترة طويلة حدّ من تطور منحنى العائد السيادي، وأوصى بإصدارات حكومية منتظمة وشفافة للمساعدة في تطوير السوق الثانوية وتسعير إصدارات الشركات.
ويأتي قانون الصكوك في هذا السياق، إذ يمكن للإصدارات الحكومية المنتظمة أن توفر مرجعًا لتسعير الصكوك وأدوات التمويل الإسلامي الأخرى، وتساعد على توسيع قاعدة المستثمرين والمؤسسات العاملة في السوق.
اللائحة التنفيذية خلال 3 أشهر
ولا يتوقف اكتمال الإطار التنظيمي عند صدور القانون؛ إذ ينص التشريع على إعداد اللائحة التنفيذية خلال ثلاثة أشهر من تاريخ العمل به.
كما ينص القانون على إنشاء شركة ذات غرض خاص مملوكة بالكامل للدولة لإدارة بعض الجوانب المرتبطة بهيكل الصكوك، إلى جانب وجود ضوابط شرعية وتنظيمية خاصة بالإصدارات الحكومية.
ويمنح ذلك وزارة المالية مساحة لوضع آليات الإصدار والتخصيص والتداول بصورة أكثر تفصيلًا قبل طرح أول إصدار فعلي وفق الإطار الجديد.
العجز الكويتي يرفع أهمية تنويع أدوات التمويل
يأتي التوسع في أدوات الدين في وقت تواجه فيه المالية العامة الكويتية ضغوطًا أكبر بسبب تقلب الإيرادات النفطية.
وأظهرت البيانات الفعلية للسنة المالية 2025/2026 أن عجز الموازنة بلغ نحو 7.1 مليار دينار كويتي، أي قرابة 23 مليار دولار، مقارنة بنحو 1.1 مليار دينار في السنة السابقة، مع تأثر الإيرادات بانخفاض دخل النفط واضطرابات صادرات الخام.
وتظهر أهمية هذه الأرقام عند مقارنتها بتقديرات صندوق النقد الدولي؛ إذ توقع الصندوق في فبراير 2026 ارتفاع عجز الحكومة المركزية إلى 8.7% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2025/2026 وإلى 9.4% في 2026/2027، مع استمرار تأثير انخفاض الإيرادات النفطية وارتفاع الإنفاق.
وفي المقابل، ما زالت الكويت تمتلك هوامش مالية وخارجية كبيرة، وهو ما يشكل عاملًا مهمًا في قدرتها على الوصول إلى أسواق الدين. وقدّر صندوق النقد أصول الهيئة العامة للاستثمار عند نحو 640% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية 2025، مع استمرار قوة الاحتياطيات الخارجية.
الصكوك توسع خيارات الكويت التمويلية
وبذلك، يمثل قانون الصكوك الحكومية مرحلة جديدة في تطوير سوق الدين الكويتي، إذ أصبحت أمام الحكومة منظومة أوسع تضم السندات التقليدية والصكوك الإسلامية، مع إمكانية الوصول إلى المستثمرين في الأسواق المحلية والعالمية.
وتتجاوز أهمية التشريع مجرد توفير مصدر إضافي للتمويل؛ فهو يضع أساسًا قانونيًا لتطوير سوق للصكوك السيادية في الكويت، وتوفير أدوات استثمارية جديدة للمواطنين والمقيمين والمستثمرين الأجانب، فضلًا عن إمكانية استخدامها مستقبلًا في إعادة تمويل الدين القائم ضمن استراتيجية إدارة الدين العام.
ولفهم كيفية الاستثمار في هذه الأدوات بصورة غير مباشرة، يمكنك التعرف على ما هي صناديق الصكوك؟ وكيف تعمل.